الخميس، 12 مارس 2026

مضت الأيام، فألتقطت الذاكرة عادات الأمهات

 قرأت البارحة عن الأمهات. كُنً فتيات مليئات بالحياة، ثم إختاروا تضحية حياتهن في سبيل أطفالهن. 

و هذه الجملة ذكرتني بأيام الظهيرة. والدتي كعادتها تصنع طعاماً في مطبخ معزول عن غرفة المعيشة، في الخارج، تحت درج. مطبخها الصغير، أطعم أفواهاً جائعة. و في كل مرة كنت أعود من المدرسة، كان الشيئ الوحيد المشترك أصوات الراديو تصدح في البعيد. أغانِ، أهازيج، أخبار الساعة، او القرآن بصوت قراءة عراقية حزينة. 

حتى الحمام - الكوكوختي - كانت تسمع. بيتها الصغير فوق الطباخ المنضدي. يدفئهم في الشتاء و يحميهم من الاعداء في الصيف. 

مضت الأيامُ إذاً، و التقطت الذاكرة عادات الأُمهات. ما إن أدخل المطبخ، حتى ألتفت الى أي جهاز بالقرب مني، الحاسوب المحمول، الهاتف، الأيباد. أفتح تطبيق بودكاست، او يوتيوب، او ثمانية. أدخل في وضعية إلتقاط الإشارة إلا أنني أختار موسيقى مناسبة. أغسل الصحون، أسمع شيئاً من هنا و هناك. أصنع الغداء، و ها أنا أسمع حلقة من مسلسل عراقي. أغسل الصحون مجدداً و لكن مع بودكاست تحري و قصص حقيقية من هنا و هناك. 

الذاكرة إلتفتت لأقرب شيئ عاصرته في الماضي، إلتقطته و وضعته أمامي لأفعله. 

قبل أسبوع، كانت زميلة السكن تغسل الصحون، و ذاكرتي قارنته لا تلقائياً بوالدتي عندما كانت تغسل الصحون. الفعل و التجربة قرينان لا يفترقان. لاحظت اليوم عندما كنت أغسل و أصنع الأكل، بأنني أفعل بالضبط ما كانت والدتي تفعله، نفس الحركات، نفس العادات. 

أما الآن سوف أستلقي على الأريكة أو القنبة كما نقولها بالعراقي المصلاوي. أتصفح مجلة، و أنام مثل والدتي نصف نومة حتى منتصف الليل.


السبت، 7 مارس 2026

ذاكرة الأشياء: المقتنيات الغريبة، الألعاب، الكتب.

 لكل شخص مقتنيات عزيزة عليه. بعضها يبدو مجنوناً. لعبة قديمة، قلم رصاص، لوحة، صورة لشخص عزيز، عطر، و أشياء أخرى.

في علم النفس، المقتنيات تمثل شعور بالأمان لمالكها. أقتني و احتفظ بهذه الأشياء، لاني تعودت ملمسها و رائحتها و وجودها بقربي. 

هكذا هي الذاكرة، تنتشي عندما ترى أشياء تألفها. الأماكن المألوفة تمثل الأمان لنا. نحب الأمان، نعشق أماكن نعلمها و ان كانت صغيرة او مملة. تلك الزاوية الصغيرة، نألفها، نحبها، فنجلس هناك، ان كان في المنزل او في العمل، او حتى في مقهى. 

لأشهر طويلة، كنت أجلس على نفس الكرسي و الطاولة في المقهى المفضل لدي في أربيل. نفس الروتين، نفس الجلسة، نفس الطلب. هذا الروتين خلق عادة، و مكان مألوف في ذاكرتي. 

نفس الشيء في هذا الفصل من حياتي. أزور أماكن مألوفة، أطلب كوب قهوة مألوف، أقود دراجتي في شوارع آلفها، أركض صباحاً حول أماكن أعلمها.

الكتب تعني الحنين أيضاً, كم من نهار صيف لاهب، كنتُ أتمدد في زاوية الغرفة على سريري. او أجلس القرفصاء في غرفة المنزل الامامية. أقرأ بيد، و أؤشر بيد أخرى جمل أعجبتني. من ساق البامبو و طابق ٩٩ و البؤساء و مزرعة الحيوان، الى اخرج في موعد مع فتاة تحب الكتابة. كنت أٌشكل نفسي حول هذه القراءات، لا بل كنتُ أكون و أقولب و أنحت نفسي بيدي. و كلما اتذكر تلك الأيام، أستحضر جملة المخرج السوري حاتم علي على لسان رشدي في التغريبة الفلسطينية: "النضج ولادة ثانية، والولادة بتحمل معها أوجاعها، مع فرق: هون الإنسان نفسو بيمارس ولادة نفسو، لازم يموت فيه إشي حتي ينولد فيه إشي جديد.. أوجاع وصراعات وبحث عن الشخصية الموزعة بين الماضي والحاضر وصورة المستقبل."



كن كما أنت، غريب بممتلكاتك، اجلس في زاوية المقهى و اقرأ، أطلب كوب القهوة التي تحب، أمشي في تلك الشوارع البعيدة، كون نفسك حول هذه الأشياء. يوماً ما، ستلتفت الى الوراء، و ستفتقد هذه الأشياء، ربما الى الأبد.


الأربعاء، 18 فبراير 2026

المكتبات العامة

 تدهشني المكتبات، و اقصد بها تلك المكتبات العامة المفتوحة للطلبة و الباحثين. كم من مراهق و شاب عبر و جلس على مصطبات هذه المكتبة. كم من الطلبة الذين أصبحوا ذي شأن، و كم من الأشخاص الذين قدموا هنا من يأس أصابهم و خرجوا بطاقة أكثر.

أجلس في المكتبة البريطانية العامة، و ألتفت حولي لأجد فئات مختلفة، طلبة إعدادية يحضرون للإمتحانات المركزية العامة، آخرون طلبة جامعة يناقشون موضوعاً، و آخرون "يطقون حنك" كما نقول بالعامية. 

كم من هؤلاء سيحقق أحلامه؟ و من منهم سيواصل الطريق؟ 

و كم من شخص يأس تحقيق مراده فأتى هنا في محاولة لتغيير ما يحدث.. 

كم من طالب طب يحاور نفسه، يحفظ ما يقدر على حفظه، يُحضر لإمتحانات قادمة، يركز على النص المكتوب أمامه. إنه لأمر مدهش!



مضت الأيام، فألتقطت الذاكرة عادات الأمهات

 قرأت البارحة عن الأمهات. كُنً فتيات مليئات بالحياة، ثم إختاروا تضحية حياتهن في سبيل أطفالهن.  و هذه الجملة ذكرتني بأيام الظهيرة. والدتي كعا...