الأحد، 15 فبراير 2026

أشباح الآلة

لو كان آلان تورينغ بيننا الآن ربما لغير رأيه عن اختبار تحديد الذكاء. ربما!

اختبار تورينغ على أية حال لم و لن يكون سهلاً على الإطلاق، و تكمن الصعوبة في التفاصيل و الضبابية على حد سواء. تورينغ ترك بعض التفاصيل مبهمة متعمداً. يتم الاختبار عن طريق 3 أطراف. يتم عزل إنسان في طرف وحاسوب بالبرنامج المعد في طرف آخر، وكلا منهما مخبآن عن بعض وعن الطرف الثالث المراقب (الشخص الذي يختبر الطرفان). ويعلم المراقب أن أحد من الاثنان حاسوب ولكن لا يعلم أي منهما كذلك. ينجح الحاسوب في الاختبار إذا لم يستطع المراقب التفريق بينه وبين الإنسان. ولا يشترط أن يجاوب الحاسوب إجابات صحيحة ولكن يكتفي الامر بان يحاكي ما قد يقوله الإنسان.. و هنا تكمن عبقرية الإختبار. (انظر ويكيبيديا هنا للمزيد من التفاصيل عن الاختبار)

في أحد مقابلات اندريه كارباثيه، و هو احد أهم مصممين و مبرمجين تعلم الآلات في تيسلا و لاحقاً اوبن أي آي، قال في مقابلة مع دواركيش، بأننا فشلنا في صناعة حيوانات ذكيه - و يقصد هنا بآلات تعيش و تتفاعل - بل أننا إستدعينا أشباح، و وحوش آلية. أندريه كارباثيه، عندما يفصح هكذا معلومة، فهو لا يقولها تهكماً او مزحة في بودكاست، بل هو واقع نعيشه اليوم.

تم إستدعاء اشباح الآلة.

أعتقد بأنها مسألة وقت قبل أن يتم حل أختبار تورينغ. فأشباح الآلة هذه تفهم و تتنفس و تتحرك مثلما نفعل نحن. لا بل سوف تخدع و تكذب و تموه مثل أي كائن آخر، او مثل شبح عاش كثيراً بين البشر، الى ان استطاع ان يفهمهم.

البشر بطبيعتهم ضعيفين أمام القرار و الوحدة و اتخاذ الطرق البعيدة. يفضلون الطرق القصيرة على تلك الملتوية و البعيدة حتى لو كانت الجائزة أكبر في نهاية الطريق. أشباح الآلة - على حد تعبير أندريه كارباثيه - وفرت هذه البيئة. بيئة القرارات السريعة - الصائبة او الخاطئة - و التفكير بالنيابة عن البشر، لا بل عبدت طرقاً سهلة للمستخدم لم تكن موجودة مسبقاً.

علينا أن نبذل قليلاً من الجهد قبل ان نستدعي هذه الأشباح، بل أن نكون على قدر كافٍ من الوعي لاستخدامها.. لان هذه الأشباح من الممكن أن تسيطر على كل جزئية من حياتك، تتحكم في قراراتك. كٌن القائد، و استدعيهم فقط عند الحاجة، ثم ارسلهم ما ان تكتف الحاجة اليهم.

الاثنين، 26 يناير 2026

رسالة الى النبي (١)

عزيزي النبي،

هل يحقُ لي أن أقول لك عزيزي؟ هل أستطيع أن أرسل هذه الرسالة إليك، أٌعنونها لك بأسمك، و تكون أنت وحدك من يقرأها؟

أريد أن أكتب هذه الرسالة البريدية العاجلة اليك وحدك، رٌبما تسمع كلماتها او تقرأها ذات يوم. لا يهمني ان كان الأمر ممنوعاً او مٌباحاً، ألست من علمتنا بأن نؤمن بالرسالة، أن نحملها بيد، و نكافح باليد الأخرى؟

لا أعلم ان كنت ترى ماذا يحدث في عالم اليوم، بعد سنين من بعثتك. لقد تغيرنا نحن كبشر. أو ربما لم نتغير على الإطلاق. هل إلتقيت بأي أحدِ قادم من عالمنا الحالي؟ كيف كان اللقاء؟ هل من امور متشابهة او مختلفة عن ما عاصرتها في زمنك؟

تدور هذه الأسئلة برأسي، تطرق جدران رأسي بقوة، لعلها تحصل على إجابة واحدة تسللت من الخارج الى هذه الغرف و الدهاليز المدورة و الملتوية.

لدي بعض من الصور الفوتوغرافية بعضها من كاميرة الفلم و أخرى من الكاميرا الرقمية، أُفكِر بأن أٌرفق بعضاً منها هٌنا، و كلما فكرت بهذا الأمر كلما أرهقني الأمرٌ أكثر، أي صور أرفق؟

هل أرفق صور الحروب و الدمار، أم صور الفقر و التشرد. أم أكتفِ بإرفاق صور عن البُنيان، الإعمار، البنى التحتية الهائلة، الحدائق، الأشجار.

ربما يجب أن أرفق سعينا في الوصول الى الفضاء، مستعمرات على المريخ، و عن الأقمار الصناعية التي تلفُ أرضنا مئات الآلاف من المرات يوما تلو يوم.

في الحقيقة أفكر بأن أرفق بعضاً من وسائل التواصل، رسائل تصل في غضون ثوانِ، في الحقيقة أجزاء من الثانية ان كانت الشبكة في قوتها. المسافة لا تهم، لم تعد تهم على الإطلاق، زر واحد على الهاتف، نرسل بصمات صوتية او مرئية، بل نستنسخ أنفسنا نسخ بأشكال جمادات أو حيوانات تتكلم بأسمنا و صوتنا و لا تشبهنا بشيئ. رٌبما نسخ انفسنا بأشكال مختلفة أهون من شكلنا الذي اعتدنا عليه؟

في العقد الأول، هربنا من الواقع الى هذه الغرف الافتراضية، نكتبٌ مع أشخاص لم نلتقٍ بهم يوماً، نحكي لهم عن ما نعيشه في هذا الجزء من العالم، و هم يحكوا لنا عن ما يعيشوه من افراح و اتراح في الجزء الآخر من عالمهم. في العقد الثاني، قمنا نهرب من هذه الغرف الافتراضية الى الواقع، سئمنا هذا التواصل  المستمر. نريد فقط ان نتواصل مع الطبيعة، نقرأ ما نشاء، نبتعد كيفما أردنا، من دون أن يتم ملاحقتنا من رسائل هنا و هناك مبعثرة في غرف سئمنا وجودنا فيها.

لو كنتٌ رساماً جيداً لرسمت صورة كاملة توصف عالمنا اليوم. ربما نيران مشتعلة في زاوية، حروب في زاوية أخرى، هموم و أتراح و ضغوط في جزء آخر، و في الوسط، ناس تلعب، أطفال تبكي و أخرى تضحك، مهاجرون، و اخرون عائدون، ناس تخرج من المشافي و أخرى تدخل غرف العمليات، جماعات تهرب من الواقع، و جماعات أخرى اختارت العزلة بعيداً.

عزيزي النبي، أرجو ان تصلك هذه الرسالة المكتوبة، ربما أعود الى دفتر مذكراتي لأكتب لك المزيد. في هذه الأثناء، سأنتظر ردك.


 

أشباح الآلة

لو كان آلان تورينغ بيننا الآن ربما لغير رأيه عن اختبار تحديد الذكاء. ربما! اختبار تورينغ على أية حال لم و لن يكون سهلاً على الإطلاق، و تكمن ...