الاثنين، 26 يناير 2026

رسالة الى النبي (١)

عزيزي النبي،

هل يحقُ لي أن أقول لك عزيزي؟ هل أستطيع أن أرسل هذه الرسالة إليك، أٌعنونها لك بأسمك، و تكون أنت وحدك من يقرأها؟

أريد أن أكتب هذه الرسالة البريدية العاجلة اليك وحدك، رٌبما تسمع كلماتها او تقرأها ذات يوم. لا يهمني ان كان الأمر ممنوعاً او مٌباحاً، ألست من علمتنا بأن نؤمن بالرسالة، أن نحملها بيد، و نكافح باليد الأخرى؟

لا أعلم ان كنت ترى ماذا يحدث في عالم اليوم، بعد سنين من بعثتك. لقد تغيرنا نحن كبشر. أو ربما لم نتغير على الإطلاق. هل إلتقيت بأي أحدِ قادم من عالمنا الحالي؟ كيف كان اللقاء؟ هل من امور متشابهة او مختلفة عن ما عاصرتها في زمنك؟

تدور هذه الأسئلة برأسي، تطرق جدران رأسي بقوة، لعلها تحصل على إجابة واحدة تسللت من الخارج الى هذه الغرف و الدهاليز المدورة و الملتوية.

لدي بعض من الصور الفوتوغرافية بعضها من كاميرة الفلم و أخرى من الكاميرا الرقمية، أُفكِر بأن أٌرفق بعضاً منها هٌنا، و كلما فكرت بهذا الأمر كلما أرهقني الأمرٌ أكثر، أي صور أرفق؟

هل أرفق صور الحروب و الدمار، أم صور الفقر و التشرد. أم أكتفِ بإرفاق صور عن البُنيان، الإعمار، البنى التحتية الهائلة، الحدائق، الأشجار.

ربما يجب أن أرفق سعينا في الوصول الى الفضاء، مستعمرات على المريخ، و عن الأقمار الصناعية التي تلفُ أرضنا مئات الآلاف من المرات يوما تلو يوم.

في الحقيقة أفكر بأن أرفق بعضاً من وسائل التواصل، رسائل تصل في غضون ثوانِ، في الحقيقة أجزاء من الثانية ان كانت الشبكة في قوتها. المسافة لا تهم، لم تعد تهم على الإطلاق، زر واحد على الهاتف، نرسل بصمات صوتية او مرئية، بل نستنسخ أنفسنا نسخ بأشكال جمادات أو حيوانات تتكلم بأسمنا و صوتنا و لا تشبهنا بشيئ. رٌبما نسخ انفسنا بأشكال مختلفة أهون من شكلنا الذي اعتدنا عليه؟

في العقد الأول، هربنا من الواقع الى هذه الغرف الافتراضية، نكتبٌ مع أشخاص لم نلتقٍ بهم يوماً، نحكي لهم عن ما نعيشه في هذا الجزء من العالم، و هم يحكوا لنا عن ما يعيشوه من افراح و اتراح في الجزء الآخر من عالمهم. في العقد الثاني، قمنا نهرب من هذه الغرف الافتراضية الى الواقع، سئمنا هذا التواصل  المستمر. نريد فقط ان نتواصل مع الطبيعة، نقرأ ما نشاء، نبتعد كيفما أردنا، من دون أن يتم ملاحقتنا من رسائل هنا و هناك مبعثرة في غرف سئمنا وجودنا فيها.

لو كنتٌ رساماً جيداً لرسمت صورة كاملة توصف عالمنا اليوم. ربما نيران مشتعلة في زاوية، حروب في زاوية أخرى، هموم و أتراح و ضغوط في جزء آخر، و في الوسط، ناس تلعب، أطفال تبكي و أخرى تضحك، مهاجرون، و اخرون عائدون، ناس تخرج من المشافي و أخرى تدخل غرف العمليات، جماعات تهرب من الواقع، و جماعات أخرى اختارت العزلة بعيداً.

عزيزي النبي، أرجو ان تصلك هذه الرسالة المكتوبة، ربما أعود الى دفتر مذكراتي لأكتب لك المزيد. في هذه الأثناء، سأنتظر ردك.


 

الأحد، 11 يناير 2026

الخوف قبل التجربة عجز

 العنوان مقتبس من بودكاست العلاقات على اذاعة ثمانية مع الاستاذ ياسر الحزيمي.

أول تجربة في هذه السنة خضتها مع مجموعة من المتسلقين. إلتقينا خارج فندق نوفوتيل في غرب لندن قرب محطة هامر سمث. إستيقظت حوالي الساعة الخامسة و النصف صباحاً، ثم انطلقت الى محطة قريبة من شقتي بإتجاه محطة هامر سمث، عن طريق الخط المتوجه الى ريتشموند. توقعت بأن تكون عربات التيوب (او القطار) فارغة لكنها كان ممتلئة الى الآخر، تمشيت عبر العربات ابحث عن مقعد فارغ. وصلت حوالي الساعة السابعة و النصف محطة هامر سمث، كان هنالك حركة في صباح السبت، و توقعت بأن تكون فارغة، لكنها كانت ممتلئة بمسافرين، جوالين، و آخرين يبدو بأنهم عمال او موظفين يتجهون الى عملهم. توقفت عند مقهى بريت (بالفرنسية بخيت)، اخذت كوب فلات وايت، ثم انطلقت الى مركز التجمع. إلتقيت هناك بقائدة الفريق ليلي، ثم جلست في الصف الثاني في الباص.

إنطلقنا باتجاه بورتسموث. رحلة ممتعة بدون اي شك. هذه رحلتي الاولى منذ ان انتقلت الى لندن، خارج لندن. و المتعارف هنا نكتة او مزحة نرددها نسميها فقاعة لندن، اي ان الذي ينتقل للعيش هنا، يجد صعوبة في الخروج من هذه الفقاعة الهائلة، لندن، فالمدينة تجرك الى مستوياتها الكثيرة: فن و مسرح و متاحف و اسواق شعبية و فنتج و مكتبات. الكثير يحدث في هذه المدينة، لدرجة انها تعزلك عن خارج المدينة. 

وصلنا عند بداية ستودلاند، حوالي ٣ كيلومترات عن حافة المرتفع هذا، ثم انطلقنا نتسلق التلال باتجاه صخور هاري القديمة، و هي عبارة عن صخور انفصلت عبر الآلاف من السنين. منظر رائع، يستحق عناء السفر. 

حافة الصخور الكلسية، عند صخور هاري القديمة

الصخور الكلسية


انطلقنا باتجاه الغرب، باتجاه قلعة كورف التابعة لمقاطعة دورسيت. تقع القلعة فوق القرية، ويعود تاريخها بشكل أو بآخر إلى القرن العاشر. شهدت القلعة مقتل إدوارد الشهيد عام 978. وخلال الحرب الأهلية الإنجليزية، كانت معقلاً للملكيين، وحوصرت مرتين، عام 1643 وعام 1646. وهي مملوكة حالياً للصندوق الوطني، ومفتوحة للجمهور.

على طول الطريق، كنت قد تعرفت على متسلق آخر من افغانستان اسمه براء (بالانكليزي يلفظ بارا)، مشينا نتحدث عن لندن، عن الذكاء الاصطناعي، عن الانجراف الذي يحدث في الوظائف، و عن الناس الذين سوف يٌتركون ان ما لحقوا بهذا الركب، ثم تكلمنا عن مشهد المواعدة في لندن، عن تجارب سابقة، عن تعارفات فاشلة، و عن بعض الامور التي يواجهها الشباب في هذا العصر. ثم تعرفت على آنيتا، امرأة في عقدها السادس، تعمل كطبيبة نفسية، تحدثنا ربما لساعة او اكثر، عن حياة لندن في الثمانينات، عن الاشياء التي عاصرتها، و عن الفن و المتاحف و الموسيقى و المسرحيات. نمشي، نتسلق، و نشارك تجاربنا. حتى وصلنا قلعة كورف. 

قلعة كورف، من اعلى التلة

 من هنا، نزلنا الى القرية. متعة حقيقة ان تصل المكان المنشود، لكن الأجمل هو الطريق و الصعاب التي واجهتنا اثناء الرحلة، رياح قوية، برد شديد، و طريق وعرة و طينية. 

ننزل الى القرية، قرية قلعة كورف


قرية صغيرة و جميلة. هادئة. مشينا الى البيت العام او الحانة (بالانكليزية البوب، و هي تمثل احد اعمدة الثقافة و التجارب الانكليزية)، جلسنا في الركن، مكان هادئ، رواده يبدون هادئون جداً، طراز الحانة قديم جداً، السقف واطئ، انارة خافتة بلون اصفر، و شموع على الطاولات. رحب بنا صاحب الحانة (دوره كان لابقاً على مهنته، شكلا و زياً بدا و كأنه صاحب حانة و صاحب حانة فقط، كأنه ممثل بارع في فلم كلاسيكي قديم). جلسنا على الطاولة نبادل المزاح و النكت، تكلمت بلغة روسية ركيكة بعض من الكلمات التي اعرفها مع احد المتسلقات من كرغيزستان، و جلست بجانب متسلقة من سلوفاكيا، و بجانبها آنيتا المعالجة النفسية، بجانبي من الجانب الآخر كان صاحب الدرون من رومانيا، تبادلنا بعض الاحاديث ثم انطلقنا للقاء سائق الباص اسفل القلعة. 



الخوف قبل التجربة عجز، كما قالها المدرب ياسر الحزيمي، و استذكرها هنا، ليس لأنها جملة تقال في مجتمعات التنمية الذاتية، لكن لأهميتها. في مرات كثيرة نتخيل و نرسم تصورات لأشياء هي صغيرة لكننا نكبرها. في أحد لقاءات سكوت جالواي، و هو باحث و مؤلف امريكي، ذكر بأنه من المهم ان يكون عمر العشرين و الثلاثين مركز التحولات و التطورات و الاكتشافات على الصعيد النفسي و الجسدي، ان تذهب بجسدك الى اقصى حد، لتعرف مرونة و. قابلية جسدك، و ان تفعل ذلك على طول عمر العشرينات و الثلاثينات، لانك في يوم من الايام ستصل الاربعين و الخمسين و تستذكر قابليتك في السابق. هذه الطاقة، و هذا العمر لن يعود مجدداَ فاستغله في الخارج، في صنع صداقات، في اكتشاف المزيد من الاماكن. 





الأربعاء، 31 ديسمبر 2025

كيف هي الحياة سنة 2025 ؟

ساعات تفصلنا عن سنة ٢٠٢٦.. 

 قبل عام، كتبت عن الحياة التقنية و ما نعيشه من تغيرات.

أما في هذه السنة، فالكثير من المفاجئات و الانتقالات باتت هنا في متناول أيدينا. 

العام الفائت شهدنا تحول مذهل في عالم الأدوات الخاصة بالنصوص و التحرير و انشاء الصور و الفديوات. أكثر من اي وقت مضى على الاطلاق. و شهدنا جيوش روبوتات الكترونية اقتحمت عالم السوشيال ميديا. 

في هذا العام، بٌتنا أقرب الى العملاء الرقميون (الأيجنت)، على الرغم من محدودية وصولهم، إلا أنهم إستطاعوا ان يوصلو بعض النقاط المهمة على الرغم من العائد الضئيل الذي أنتجوه للعالم.

أذكر في السنة الماضية، نظرة مٌشرفي في دراسة الماجستير عندما قال لي بأن الشركات التقنية سوف تدفع بهذه التقنية بكل ما تستطيع من طاقة لزيادة أرباحها. تقليص الموظفين، زيادة العملاء الرقميين، و فعلا هذا ما حدث.

يبدو بأننا في ربيع الرد الآلي السريع (المجيب الآلي)، لا بل في ربيعه المزهر، و هذا اقتباس استعيره من كتاب ميلاني ميتجيل: الذكاء الاصطناعي للناس المفكرين. تسرد ميلاني بأسلوب عملي و علمي، تأريخ العلم الحديث، و كيف نشأت البذرة الأولى لهذا المجيب الآلي السريع الذي بات جزءاً لا يتجزأ من حيواتنا. و على الرغم من نشوء البذرة، الا انها مرت بشتاء قاس، خريف أسود، و بدا في القرن الماضي بأن هذه الجزئية من محاكاة العقل البشري غير قابلة للحدوث. 

سام ألتمان، في السنة الماضية و في هذه السنة، ما توقف الظهور في الاعلام يحدث المستمعين عن قربنا من ال أي جي آي، و هو الذكاء الاصطناعي المتقدم، و بلغتي مجيب آلي ذكيّ جداً في كافة مجالات الحياة، لدرجة انه (او انها) يستطيع ان يدير حياتك بالنيابة عنك.

و هذه العبارة كثيراً ما استوقفتني. فمهمة المجيب الآلي، هي إدارة حياتك بالنيابة عنك، على الاقل هذا ما تخيلته جوجل في سابق السنين، عندما أطلقت بعضاً من خدماتها تسوق لمجيب آلي يحجز طاولة في مطعم. لكن النيابية هذه أشبه بمساعد شخصي، و بالنسبة ل سام ألتمان و غيره لا يكفي.

المزيد من الاندماجات المزيد من الادوات و المزيد من التفكير بالوكالة، أي توكيل مهمة حل الاشياء الصعبة الى عقلِ مدبرِ يستهلك مياه و طاقة بأرقام مهولة. و لهذا السبب يريد أيلون، إطلاق هذه الأدمغة الى الفضاء لتحل لنا مشكلة الطاقة و التبريد.

جيفري هنتون، قال في مقابلة، الثورة الصناعية، تبنت القوة، فاستغنينا عن الأيدي العاملة، و المعضلون الذين كان لهم شأن، فاستبدلناهم بالمكائن, أم اليوم، فهذه الثورة، تتبنى الذكاء، فسوف تقوم بالتفكير عنا، أي سيكون العقل البشري مستغنى عنه، عندما يتم إحالة التفكير في المهمات الصعبة و السهلة منها الى هذا المدير الجبار (أي جي آي). 

نعود الى الجملة المفصلية: تستطيع ان تكون مشاهداً و تستطيع أن تكون مشاركاً في هذه الثورة.. في أي جانب ستكون؟ 

إقرأ هذه الجملة مجدداً و حدد أولوياتك. 

الى لقاء آخر العام المقبل.


رسالة الى النبي (١)

عزيزي النبي، هل يحقُ لي أن أقول لك عزيزي؟ هل أستطيع أن أرسل هذه الرسالة إليك، أٌعنونها لك بأسمك، و تكون أنت وحدك من يقرأها؟ أريد أن أكتب هذه...