عزيزي النبي،
هل يحقُ لي أن أقول لك عزيزي؟ هل أستطيع أن أرسل هذه الرسالة إليك، أٌعنونها لك بأسمك، و تكون أنت وحدك من يقرأها؟
أريد أن أكتب هذه الرسالة البريدية العاجلة اليك وحدك، رٌبما تسمع كلماتها او تقرأها ذات يوم. لا يهمني ان كان الأمر ممنوعاً او مٌباحاً، ألست من علمتنا بأن نؤمن بالرسالة، أن نحملها بيد، و نكافح باليد الأخرى؟
لا أعلم ان كنت ترى ماذا يحدث في عالم اليوم، بعد سنين من بعثتك. لقد تغيرنا نحن كبشر. أو ربما لم نتغير على الإطلاق. هل إلتقيت بأي أحدِ قادم من عالمنا الحالي؟ كيف كان اللقاء؟ هل من امور متشابهة او مختلفة عن ما عاصرتها في زمنك؟
تدور هذه الأسئلة برأسي، تطرق جدران رأسي بقوة، لعلها تحصل على إجابة واحدة تسللت من الخارج الى هذه الغرف و الدهاليز المدورة و الملتوية.
لدي بعض من الصور الفوتوغرافية بعضها من كاميرة الفلم و أخرى من الكاميرا الرقمية، أُفكِر بأن أٌرفق بعضاً منها هٌنا، و كلما فكرت بهذا الأمر كلما أرهقني الأمرٌ أكثر، أي صور أرفق؟
هل أرفق صور الحروب و الدمار، أم صور الفقر و التشرد. أم أكتفِ بإرفاق صور عن البُنيان، الإعمار، البنى التحتية الهائلة، الحدائق، الأشجار.
ربما يجب أن أرفق سعينا في الوصول الى الفضاء، مستعمرات على المريخ، و عن الأقمار الصناعية التي تلفُ أرضنا مئات الآلاف من المرات يوما تلو يوم.
في الحقيقة أفكر بأن أرفق بعضاً من وسائل التواصل، رسائل تصل في غضون ثوانِ، في الحقيقة أجزاء من الثانية ان كانت الشبكة في قوتها. المسافة لا تهم، لم تعد تهم على الإطلاق، زر واحد على الهاتف، نرسل بصمات صوتية او مرئية، بل نستنسخ أنفسنا نسخ بأشكال جمادات أو حيوانات تتكلم بأسمنا و صوتنا و لا تشبهنا بشيئ. رٌبما نسخ انفسنا بأشكال مختلفة أهون من شكلنا الذي اعتدنا عليه؟
في العقد الأول، هربنا من الواقع الى هذه الغرف الافتراضية، نكتبٌ مع أشخاص لم نلتقٍ بهم يوماً، نحكي لهم عن ما نعيشه في هذا الجزء من العالم، و هم يحكوا لنا عن ما يعيشوه من افراح و اتراح في الجزء الآخر من عالمهم. في العقد الثاني، قمنا نهرب من هذه الغرف الافتراضية الى الواقع، سئمنا هذا التواصل المستمر. نريد فقط ان نتواصل مع الطبيعة، نقرأ ما نشاء، نبتعد كيفما أردنا، من دون أن يتم ملاحقتنا من رسائل هنا و هناك مبعثرة في غرف سئمنا وجودنا فيها.
لو كنتٌ رساماً جيداً لرسمت صورة كاملة توصف عالمنا اليوم. ربما نيران مشتعلة في زاوية، حروب في زاوية أخرى، هموم و أتراح و ضغوط في جزء آخر، و في الوسط، ناس تلعب، أطفال تبكي و أخرى تضحك، مهاجرون، و اخرون عائدون، ناس تخرج من المشافي و أخرى تدخل غرف العمليات، جماعات تهرب من الواقع، و جماعات أخرى اختارت العزلة بعيداً.
عزيزي النبي، أرجو ان تصلك هذه الرسالة المكتوبة، ربما أعود الى دفتر مذكراتي لأكتب لك المزيد. في هذه الأثناء، سأنتظر ردك.