الجمعة، 27 مارس 2026

آبا Abba

 في ليال الشتاء، نجلس حول الصوبة (المدفأة)، نفرك بيدينا، نلبس جوارب ثخينة، و نرفع رأسنا الى التلفاز نتابع آبا، تصدح اغانيها في مساء نهاية الاسبوع. 

أغنية ماما ميا، نردد خلفها، لا نفهم الكلمات، نحك أنوفنا، نفرك شعرنا، نهز مؤخرتنا و نردد خلف آبا: ماما ميا.


أغنية أٌخرى كنت أعشها، موني موني، صغيراً كنت، أردد الكلمات من دون فهمها، و لكن أستطيع تمييز كلمة النقود "موني" ماست بي فوني. 

أرددها عندما أزحف الى والدتي اطلب منها النقود. أردد بصوت عالٍ تارة و بصوت منخفض تارةً أٌخرى.


تمر السنين، و نبقى نذكر هذه اللحظات. تعود بنا الذاكرة الى هذه اللحظات، ينتقيها لنا وعينا الباطن بدقة عالية، نعيشها، نبتسم مثل مجانين آلفوا رؤية خيالاتهم عندما كانو صغاراً.


الأحد، 22 مارس 2026

عن الأهداف

 قرأت قبل فترة، بأن الأهداف حبر على ورق، لا تتحرك بمقدار شعرة بدون نظام عملي. الأهداف لا تتحرك بالأحلام و القول، بدون فعل. 

و هذا موجود في الموروث الشعبي أيضاُ. بدون الدراسة و مراجعة المواد الدراسية، لن نتمكن بقدرة سحرية على اجتياز الامتحان. الأمر مماثل جداً في الحياة العملية.

و النظام هنا، أقصد به العادات اليومية. التنازلات. و القابلية على المرونة.

التنازلات مهمة أيضاً. نولد جميعنا، و بإمتلاكنا ٢٤ ساعة. كل سكان العالم، لديهم نفس الساعة، نفس الثواني، الفرق الوحيد هو استغلال هذا البعد "الزمني". و من هنا يولد نظام قول "لا" باستمرار، ترك التجمعات الاجتماعية من حين لحين، العزلة، الجلوس وحيدا في المكتبة، تمرر أصبعك على اوراق كتب سئمت رؤيتها، التضحية برؤية الأحباب، الصراع النفسي لإكمال مهمات تبدو مستحيلة، الإستيقاظ المبكر، عدم الوقوف على حافة الطريق، الهوس المستمر، اثناء التعب، اثناء المرض...

الجدول اليومي، يحدد اين ستكون في الأشهر القادمة و السنين القادمة. هذا لا يعني الذهاب في نزهة، او حضور مناسبات خاصة. جدولة الوقت، و ادارته هي اشبه بضغط الوقت بجهة، و تمديده بجهة أخرى. 

السبت، 21 مارس 2026

خارج السرب

 في زمن تحكمه الخوارزمية، الخروج عن السرب بات أمراً مٌلحاً و ضرورياً. 

لسنوات، اختياراتنا شكلت فكرنا. جنوننا، افكارنا الإبداعية، ركضنا المستمر، علاقاتنا، برامج غريبة نتابعها، هوسنا في التلوين، محاولات صنع أكلات شرقية و غربية، عشق المغامرة، الصراعات الداخلية، حبنا الأول، شغفنا في أماكن و مدن و انهار و بحار بعيدة و قريبة، البحث عن السلام الداخلي و الخارجي. أشياء شكلتنا، و قولبتنا، و كسرتنا. 

مٌحاولاتنا الفاشلة في صنع أشياء كنا نحلمها، غيرتنا، لمرة واحدة و للأبد.



في وقتنا هذا، أصبحنا نسخاً مٌكررة من بعضنا البعض. خوارزميات تنظر إلينا من فوق، نظرة الإله، سوى أنها تٌغذينا بما يزيد متعتنا. و الإله -حاشاه- خلقنا لنكون أحرار، لنكتشف ما نحب و نكره، ما نؤمن و لا نؤمن. خلقنا لنعبده - الإله، الكون، القوى الخفية التي تؤمن بها- ، لا لنعبد الخوارزمية.

أصبح الإنفصال عن الواقع الإفتراضي ضرورياً. لنعيد إكتشاف الأشياء بطرق أكثر بساطة و حيوية. 


أجلس مع نفسك، أشعل شمعة، أطفئ الأضواء في غرفتك او غرفة معيشتك. أطلق عنان أفكارك، تخيل على الجدار شخصيات أنتجها خيالك، أذهب بخيالك حافة الجنون. إصنع كوب شاي، ارسم لوحة، لون، أكتب بيت شعر واحد. أجلس. توكل على صلاة، اي صلاة، ركعة ركعتين اثنين لوجه الله، او اجلس القرفصاء كبوذا، او اجلس بهدوء. اسرح بخيالك بعيداً.

كن مثل الطائر الذي جلس يستريح على الأسلاك. اختار العزلة، اختار التأمل، اختار الطمأنينة.


تعاليم و مذكرات ماركوس اوريليس، هي ربما من أهم الكتابات التي نمتلكها اليوم. هذا الرجل، كان يكتب عن الحب و التحكم في العقل و المشاعر حتى في زمن الحرب. كان يؤرشف لزمن. يستيقظ صباحا قبل الجميع، يجلس في خيمته، في هدوء، أثناء العواصف و الحروب، يعكس و يستنزف كل طاقة يمتلكها في الكتابة. ماركوس اوريليس قبل آلاف السنين اكتشف شيئاً مهماً: الكتابة تٌحررنا. تٌحررنا من مخاوفنا، من آلامنا، من نزعاتنا و هواجسنا، و من السراب الذي نتأمله. 

ماركوس خرج عن السرب، و النبي محمد في بعثته، خرج عن السرب، و عيسى ابن مريم - و مريم عليها السلام- خرجا عن السرب. لأن السلام الداخلي، و المضاد الفكري، يتكون في العزلة و الهوس عن الأشياء التي نحب.

و الخروج عن السرب لا يعني الإنضمام من حينٍ لآخر الى السرب. كما فعل النبي محمد، عاد قوياً، مٌحملاً بحكمة و قوة فكرية، و ايمان لا مثيل له. و ماركوس اوريليس فعل الشيئ نفسه. الخروج عن السرب لا يعني العزلة الأبدية او النظرة الفوقية للمجتمع من البرج العاجي الذي نسكنه. 


الجمعة، 20 مارس 2026

يا ليلة العيد آنستينا

صباح اليوم الأول من العيد.

و العيد هو رائحة البخور، قهوة الصباح، فطور مع العائلة، زيارات الأقارب، العطلة و النوم الكثير.. 

أشياء لم تعد موجودة.. و لكن يبقى شعور النوستالجيا موجوداً.

بعض من الصور التي ألتقطتها أمس، وسط لندن، ليلة العيد، و كما تقول أم كلثوم: يا ليلة العيد آنستينا..











السبت، 14 مارس 2026

عن ثنائية التضحيات و الاستسلام

 قرأت تغريدة لجيمس جرين استوقفتني، تقول: 

لا تُضيّع وقتك مع شخصٍ يتبنى أسلوب حياةٍ قائماً على التضحية بالنفس. عندما يصبح الألم هويتك، لن ترى إلا الجوانب الصعبة من الحياة.

عندما يصبح الألم هويتك، لن ترى إلا الجوانب الصعبة من الحياة. قاسية هذه الجملة.. و لكن التغريدة مكتوبة بصيغة تجعلني أتفق معها، لكن ليس في كل الأوقات. في أحيان كثيرة نتبنى اسلوب حياة قائم على التضحية و لكن لا نبين هذا الأمر في الحياة اليومية. نمر بآلام يومية و نصارع معترك الحياة و لكن في نهاية اليوم، نرسم ابتسامة شاحبة و نمضي. 

ربما الألم يصبح هويتنا، عندما نكون مجبرين على تقديم التضحيات. ليس جميعنا لديه رفاهية الأختيار، ببساطة لا نمتلكها. و ربما جميع خياراتنا مصحوبة بألم، بذبحة في الصدر. 

و التضحيات، أهم من الإستسلام للظروف. المضي قدماً أهم من التوقف. الشافعي لديه قول جميل في السفر و الترحال: إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ .... إِنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ. أني رأيت وقوف الماء يفسده.. 



الخميس، 12 مارس 2026

مضت الأيام، فألتقطت الذاكرة عادات الأمهات

 قرأت البارحة عن الأمهات. كُنً فتيات مليئات بالحياة، ثم إختاروا تضحية حياتهن في سبيل أطفالهن. 

و هذه الجملة ذكرتني بأيام الظهيرة. والدتي كعادتها تصنع طعاماً في مطبخ معزول عن غرفة المعيشة، في الخارج، تحت درج. مطبخها الصغير، أطعم أفواهاً جائعة. و في كل مرة كنت أعود من المدرسة، كان الشيئ الوحيد المشترك أصوات الراديو تصدح في البعيد. أغانِ، أهازيج، أخبار الساعة، او القرآن بصوت قراءة عراقية حزينة. 

حتى الحمام - الكوكوختي - كانت تسمع. بيتها الصغير فوق الطباخ المنضدي. يدفئهم في الشتاء و يحميهم من الاعداء في الصيف. 

مضت الأيامُ إذاً، و التقطت الذاكرة عادات الأُمهات. ما إن أدخل المطبخ، حتى ألتفت الى أي جهاز بالقرب مني، الحاسوب المحمول، الهاتف، الأيباد. أفتح تطبيق بودكاست، او يوتيوب، او ثمانية. أدخل في وضعية إلتقاط الإشارة إلا أنني أختار موسيقى مناسبة. أغسل الصحون، أسمع شيئاً من هنا و هناك. أصنع الغداء، و ها أنا أسمع حلقة من مسلسل عراقي. أغسل الصحون مجدداً و لكن مع بودكاست تحري و قصص حقيقية من هنا و هناك. 

الذاكرة إلتفتت لأقرب شيئ عاصرته في الماضي، إلتقطته و وضعته أمامي لأفعله. 

قبل أسبوع، كانت زميلة السكن تغسل الصحون، و ذاكرتي قارنته لا تلقائياً بوالدتي عندما كانت تغسل الصحون. الفعل و التجربة قرينان لا يفترقان. لاحظت اليوم عندما كنت أغسل و أصنع الأكل، بأنني أفعل بالضبط ما كانت والدتي تفعله، نفس الحركات، نفس العادات. 

أما الآن سوف أستلقي على الأريكة أو القنبة كما نقولها بالعراقي المصلاوي. أتصفح مجلة، و أنام مثل والدتي نصف نومة حتى منتصف الليل.


السبت، 7 مارس 2026

ذاكرة الأشياء: المقتنيات الغريبة، الألعاب، الكتب.

 لكل شخص مقتنيات عزيزة عليه. بعضها يبدو مجنوناً. لعبة قديمة، قلم رصاص، لوحة، صورة لشخص عزيز، عطر، و أشياء أخرى.

في علم النفس، المقتنيات تمثل شعور بالأمان لمالكها. أقتني و احتفظ بهذه الأشياء، لاني تعودت ملمسها و رائحتها و وجودها بقربي. 

هكذا هي الذاكرة، تنتشي عندما ترى أشياء تألفها. الأماكن المألوفة تمثل الأمان لنا. نحب الأمان، نعشق أماكن نعلمها و ان كانت صغيرة او مملة. تلك الزاوية الصغيرة، نألفها، نحبها، فنجلس هناك، ان كان في المنزل او في العمل، او حتى في مقهى. 

لأشهر طويلة، كنت أجلس على نفس الكرسي و الطاولة في المقهى المفضل لدي في أربيل. نفس الروتين، نفس الجلسة، نفس الطلب. هذا الروتين خلق عادة، و مكان مألوف في ذاكرتي. 

نفس الشيء في هذا الفصل من حياتي. أزور أماكن مألوفة، أطلب كوب قهوة مألوف، أقود دراجتي في شوارع آلفها، أركض صباحاً حول أماكن أعلمها.

الكتب تعني الحنين أيضاً, كم من نهار صيف لاهب، كنتُ أتمدد في زاوية الغرفة على سريري. او أجلس القرفصاء في غرفة المنزل الامامية. أقرأ بيد، و أؤشر بيد أخرى جمل أعجبتني. من ساق البامبو و طابق ٩٩ و البؤساء و مزرعة الحيوان، الى اخرج في موعد مع فتاة تحب الكتابة. كنت أٌشكل نفسي حول هذه القراءات، لا بل كنتُ أكون و أقولب و أنحت نفسي بيدي. و كلما اتذكر تلك الأيام، أستحضر جملة المخرج السوري حاتم علي على لسان رشدي في التغريبة الفلسطينية: "النضج ولادة ثانية، والولادة بتحمل معها أوجاعها، مع فرق: هون الإنسان نفسو بيمارس ولادة نفسو، لازم يموت فيه إشي حتي ينولد فيه إشي جديد.. أوجاع وصراعات وبحث عن الشخصية الموزعة بين الماضي والحاضر وصورة المستقبل."



كن كما أنت، غريب بممتلكاتك، اجلس في زاوية المقهى و اقرأ، أطلب كوب القهوة التي تحب، أمشي في تلك الشوارع البعيدة، كون نفسك حول هذه الأشياء. يوماً ما، ستلتفت الى الوراء، و ستفتقد هذه الأشياء، ربما الى الأبد.


أعود الى الكتابة لعلني أتحرر من قيود بعضها من صنيعتي و أخرى من صنيعة المجتمع

 أعود الى الكتابة لعلني أتحرر من قيود و قوالب شٌكلت و تشكلت بفعل الزمن و أطلال الذكريات و انفعالات و تفاعلات ناتجة من علاقات بعضها جيد و الآ...