السبت، 21 مارس 2026

خارج السرب

 في زمن تحكمه الخوارزمية، الخروج عن السرب بات أمراً مٌلحاً و ضرورياً. 

لسنوات، اختياراتنا شكلت فكرنا. جنوننا، افكارنا الإبداعية، ركضنا المستمر، علاقاتنا، برامج غريبة نتابعها، هوسنا في التلوين، محاولات صنع أكلات شرقية و غربية، عشق المغامرة، الصراعات الداخلية، حبنا الأول، شغفنا في أماكن و مدن و انهار و بحار بعيدة و قريبة، البحث عن السلام الداخلي و الخارجي. أشياء شكلتنا، و قولبتنا، و كسرتنا. 

مٌحاولاتنا الفاشلة في صنع أشياء كنا نحلمها، غيرتنا، لمرة واحدة و للأبد.



في وقتنا هذا، أصبحنا نسخاً مٌكررة من بعضنا البعض. خوارزميات تنظر إلينا من فوق، نظرة الإله، سوى أنها تٌغذينا بما يزيد متعتنا. و الإله -حاشاه- خلقنا لنكون أحرار، لنكتشف ما نحب و نكره، ما نؤمن و لا نؤمن. خلقنا لنعبده - الإله، الكون، القوى الخفية التي تؤمن بها- ، لا لنعبد الخوارزمية.

أصبح الإنفصال عن الواقع الإفتراضي ضرورياً. لنعيد إكتشاف الأشياء بطرق أكثر بساطة و حيوية. 


أجلس مع نفسك، أشعل شمعة، أطفئ الأضواء في غرفتك او غرفة معيشتك. أطلق عنان أفكارك، تخيل على الجدار شخصيات أنتجها خيالك، أذهب بخيالك حافة الجنون. إصنع كوب شاي، ارسم لوحة، لون، أكتب بيت شعر واحد. أجلس. توكل على صلاة، اي صلاة، ركعة ركعتين اثنين لوجه الله، او اجلس القرفصاء كبوذا، او اجلس بهدوء. اسرح بخيالك بعيداً.

كن مثل الطائر الذي جلس يستريح على الأسلاك. اختار العزلة، اختار التأمل، اختار الطمأنينة.


تعاليم و مذكرات ماركوس اوريليس، هي ربما من أهم الكتابات التي نمتلكها اليوم. هذا الرجل، كان يكتب عن الحب و التحكم في العقل و المشاعر حتى في زمن الحرب. كان يؤرشف لزمن. يستيقظ صباحا قبل الجميع، يجلس في خيمته، في هدوء، أثناء العواصف و الحروب، يعكس و يستنزف كل طاقة يمتلكها في الكتابة. ماركوس اوريليس قبل آلاف السنين اكتشف شيئاً مهماً: الكتابة تٌحررنا. تٌحررنا من مخاوفنا، من آلامنا، من نزعاتنا و هواجسنا، و من السراب الذي نتأمله. 

ماركوس خرج عن السرب، و النبي محمد في بعثته، خرج عن السرب، و عيسى ابن مريم - و مريم عليها السلام- خرجا عن السرب. لأن السلام الداخلي، و المضاد الفكري، يتكون في العزلة و الهوس عن الأشياء التي نحب.

و الخروج عن السرب لا يعني الإنضمام من حينٍ لآخر الى السرب. كما فعل النبي محمد، عاد قوياً، مٌحملاً بحكمة و قوة فكرية، و ايمان لا مثيل له. و ماركوس اوريليس فعل الشيئ نفسه. الخروج عن السرب لا يعني العزلة الأبدية او النظرة الفوقية للمجتمع من البرج العاجي الذي نسكنه. 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

خارج السرب

 في زمن تحكمه الخوارزمية، الخروج عن السرب بات أمراً مٌلحاً و ضرورياً.  لسنوات، اختياراتنا شكلت فكرنا. جنوننا، افكارنا الإبداعية، ركضنا المست...