الأربعاء، 31 ديسمبر 2025

كيف هي الحياة سنة 2025 ؟

ساعات تفصلنا عن سنة ٢٠٢٦.. 

 قبل عام، كتبت عن الحياة التقنية و ما نعيشه من تغيرات.

أما في هذه السنة، فالكثير من المفاجئات و الانتقالات باتت هنا في متناول أيدينا. 

العام الفائت شهدنا تحول مذهل في عالم الأدوات الخاصة بالنصوص و التحرير و انشاء الصور و الفديوات. أكثر من اي وقت مضى على الاطلاق. و شهدنا جيوش روبوتات الكترونية اقتحمت عالم السوشيال ميديا. 

في هذا العام، بٌتنا أقرب الى العملاء الرقميون (الأيجنت)، على الرغم من محدودية وصولهم، إلا أنهم إستطاعوا ان يوصلو بعض النقاط المهمة على الرغم من العائد الضئيل الذي أنتجوه للعالم.

أذكر في السنة الماضية، نظرة مٌشرفي في دراسة الماجستير عندما قال لي بأن الشركات التقنية سوف تدفع بهذه التقنية بكل ما تستطيع من طاقة لزيادة أرباحها. تقليص الموظفين، زيادة العملاء الرقميين، و فعلا هذا ما حدث.

يبدو بأننا في ربيع الرد الآلي السريع (المجيب الآلي)، لا بل في ربيعه المزهر، و هذا اقتباس استعيره من كتاب ميلاني ميتجيل: الذكاء الاصطناعي للناس المفكرين. تسرد ميلاني بأسلوب عملي و علمي، تأريخ العلم الحديث، و كيف نشأت البذرة الأولى لهذا المجيب الآلي السريع الذي بات جزءاً لا يتجزأ من حيواتنا. و على الرغم من نشوء البذرة، الا انها مرت بشتاء قاس، خريف أسود، و بدا في القرن الماضي بأن هذه الجزئية من محاكاة العقل البشري غير قابلة للحدوث. 

سام ألتمان، في السنة الماضية و في هذه السنة، ما توقف الظهور في الاعلام يحدث المستمعين عن قربنا من ال أي جي آي، و هو الذكاء الاصطناعي المتقدم، و بلغتي مجيب آلي ذكيّ جداً في كافة مجالات الحياة، لدرجة انه (او انها) يستطيع ان يدير حياتك بالنيابة عنك.

و هذه العبارة كثيراً ما استوقفتني. فمهمة المجيب الآلي، هي إدارة حياتك بالنيابة عنك، على الاقل هذا ما تخيلته جوجل في سابق السنين، عندما أطلقت بعضاً من خدماتها تسوق لمجيب آلي يحجز طاولة في مطعم. لكن النيابية هذه أشبه بمساعد شخصي، و بالنسبة ل سام ألتمان و غيره لا يكفي.

المزيد من الاندماجات المزيد من الادوات و المزيد من التفكير بالوكالة، أي توكيل مهمة حل الاشياء الصعبة الى عقلِ مدبرِ يستهلك مياه و طاقة بأرقام مهولة. و لهذا السبب يريد أيلون، إطلاق هذه الأدمغة الى الفضاء لتحل لنا مشكلة الطاقة و التبريد.

جيفري هنتون، قال في مقابلة، الثورة الصناعية، تبنت القوة، فاستغنينا عن الأيدي العاملة، و المعضلون الذين كان لهم شأن، فاستبدلناهم بالمكائن, أم اليوم، فهذه الثورة، تتبنى الذكاء، فسوف تقوم بالتفكير عنا، أي سيكون العقل البشري مستغنى عنه، عندما يتم إحالة التفكير في المهمات الصعبة و السهلة منها الى هذا المدير الجبار (أي جي آي). 

نعود الى الجملة المفصلية: تستطيع ان تكون مشاهداً و تستطيع أن تكون مشاركاً في هذه الثورة.. في أي جانب ستكون؟ 

إقرأ هذه الجملة مجدداً و حدد أولوياتك. 

الى لقاء آخر العام المقبل.


الأحد، 21 ديسمبر 2025

عن برلين: مٌنسقي الأغاني، سهرات الليل، فن الشوارع و التاريخ و السيارات و العمارات.

 وصلت برلين في صباح صيف هادئ، قادم من فيينا. على الرغم من الصيف الحارق، كانت برلين تحمل نسمة من برد الشمال. أذكر انني وصلت المطار، ثم اخذت قطار ال  RE8 الى محطة أليكسندر بلاتز، تأخر القطار قليلاً، ثم اتى مٌسرعاً. أذكر الرحلة بشيئ من الضبابية، كنتُ منهكاً، لم تستغرق الرحلة الكثير من الوقت. 

وصلت أليكسندر بلاتز، و التي تعتبر مركز المدينة بشكل نسبي ثم مشيت الى الهوستل. كان الهوستل صاخباً حد الجنون، أغاني بصوت عالٍ، نساء و رجال حول البار، ثٌلة يتابعون كرة القدم، ثٌلة أٌخرى يلعبون شدة الورق، و ثٌلة أٌخرى يتصارعون حول لٌعبة ما. 

وقفت أنتظر الإستعلامات، ثم أتى، أضاع الحجز، ثم طلب مني الجواز، ثم لم يعثر على مواليدي، فأشرت له بيدي، و عندما ناولني بطاقة الغرفة، قال لي يجب دفع مبلغ من المال تأمين. استغفرت ربي، ثم قلت لهٌ أبشر، و لكن لدي فئة خمسون يورو او 100 يورو. اعطيته اياها و اعاد لي الفكة، ثم صعدت مٌسرعا الى الطابق العلوي، كان النُزُل وسخاً (جداً). رائحة غريبة، مصعد عاطل، غسالة ملابس لا تعمل، و تبريد عاطل، كانت النافذة الملاذ الوحيد للتنفس داخل الغرفة. 

كانت الغرفة انظف من الممرات المؤدية اليها. الليلة الاولى كانت هادئة نسبياً. كنت منهكاً، اسدلت الستار و نمت كقديس. استيقظت صباحاً على أصوات فتيات إثنان، كانا قد عادا من نادي الرقص، كانتا تشرحا الفتيان هناك، استيقظت على اصواتهن. فتحت الستار، كانا بزي\بدون زي السهرة، قلت لهن مرحباً يا فتيات، ما حكايتكن؟

جلسن على حافة السرير المقابل يحدثني عن المغامرات، رقصهن، الشباب المعضلون.. 

قلت لهن، رائع، الآن سوف اخلد الى النوم مجدداً لكن حدثوني عن المغامرات في الصباح. 

نمت كثيراً. بدون مؤقت.

و عندما استيقظت وجدتٌ شابة قد إنضمت في السرير السفلي، يبدو بأن أصولها من آسيا، تبين لاحقاً انها من أستراليا. تلبس سماعات سميكة سوداء، شعرها اسود، مطوق بكماشة من الخلف، تلبس ملابس فضفاضة و شورت الى اسفل الركبة، كانت تجلس على السرير تدمج اغانٍ، تهز رأسها يميناً و شمالاً، أعلى و أسفل، تٌعدل جلستها. تنتفض عندما تغير نوطة الموسيقى لصخب قوي. 

هيه، مرحباًََ يا صديقة! 

اهلا اهلا اجابت، انت جاري في الاعلى، صح؟

ايه نعم، سمعت الموسيقى التي تدمجينها، رائعة!

اتيت الى برلين لأكون دي-جاي. أجابت بنبرة خافتة

يا سلام، انتِ في المكان الصحيح. برلين تٌخرج ال دي-جاي في العالم، هي عاصمة الإلكترو و الفن الصاخب اليس كذلك؟

نعم، اجابت. انه المكان وحده الذي يصنع ال دي-جاي. أتيت من استراليا لاكون دي-جاي، امتص الثقافات و الاغان و التنسيقات حتى أولد شخصية موسيقية فريدة. 

رائع، بالتوفيق، فالنلتق مجددا لاحقاً.

-- 

برلين، متاهة من شبكة قطارات، شوارع واسعة و اخرى ضيقة، حدائق، و بشر في كل مكان. كان النهار ساخناً، و أليكسندر بلاتز منطقة لا بأس بها. شوارع رفيعة و اخرى عريضة، فن الشوارع في كل مكان. مشيت بإتجاه الشمال و هو اتجاه عشوائي حيث كانت غايتي اكتشاف المنطقة.. لاحقاَ في عمق أليكسندر بلاتز و بعيدا عن محطة القطار المزدحمة - و الغريبة جدا جدا - اكتشفت العمارة التي كانت غير تقليدية على الاطلاق. عمارات سكنية تشي بتاريخ المكان. 

وقفت عند كافيه، بدت لي جيدة، طلبت كابتشينو و كرواسون. لم يكن افضل فطور اوربي، لاحقاً علمت بأن الكافيه بطابع ايطالي و لكن ليس أصلي. مشيت باتجاهات مختلفة، اخذت الميترو، و ذهبت الى معرض سيارات خارج مركز المدينة. بدأت برلين تتكشف لي شيئاً فشيئاً. عمارات سكنية مزدهرة، شوارع نظيفة، و شبكة قطارات غير تقليدية. يدخل القطار في عمق الحي، تحت البنايات ثم يصعد، ثم يشق طريقا في غابة ثم يعود من بين العمارات السكنية كأنه وجد طريقا خاصا به و تأقلم عليه. عجيب جداً امر القطارات، تمر مسرعة تارة، و اخرى بطيئة او شبه معطلة. 

في اليوم الثاني، اتخذت قراراً بأن أمشي اينما حللت و اينما اردت الذهاب. دخلت مكتبات، تكلمت مع اصحاب المكتبة، القيت التحية على شباب، فتحت حديثاً مع صاحبة متجر، و مشيت حتى تعبت و جلست على حافة الطريق. 

ما هذه المدينة؟ انها ليست باريس، و ليست لندن، و لا تشبه فيينا في شيئ. 


الخميس، 18 ديسمبر 2025

عن ماركوس اوريليس

 ملاحظات و تأملات ماركوس اوريليس هي ربما من اهم التأملات التي تٌركت لنا. اقتنيت الكتاب قبل فترة - أظن بأنها النسخة الملخصة. 

أتمنى بأني قد قرأتها في عمر العشرون. او في عشرينياتي. الكثير من الدروس و العبر، و الكثير من الملاحظات التي يحاول ماركوس ان يعكسها من خلاله و يعيد صياغتها مرة و مرتين و ثلاث من خلال التأملات هذه. 

بعض الملاحظات قصيرة جداً، جملة من سطر واحد، و لكنها عميقة جداً. تجعلني اعيد قرائتها مرة و مرتين و ثلاث و اربع. 

سأعود مجدداً لكتابة المزيد من الملاحظات عن تأملات ماركوس اوريليس. المدهش بالأمر، ماركوس اوريليس كان يكتب هذه التأملات في خيمته، يستيقظ في الرابعة او الخامسة صباحاً، و كان يكتب في السلم و الحرب، عندما كانت روما تٌحرق، و عندما أصيبت المدينة بمرض الطاعون. كل يوم يستيقظ صباحاً، يأمر حراسه بأن لا يقاطعه أحد، و يجلس يكتب، ليتحكم في عقله، ليسيطر على افكاره، و ليوجه نفسه في الإتجاه الصحيح.


الأربعاء، 17 ديسمبر 2025

تحسب أنك جرم صغير و فيك انطوى العالم الأكبر

 مضحك هو شعور الصعود الى القمة، و اعني بذلك جميع الاوقات التي تشعر بأنك امتلكت العالم، تسلقت القمة، و تجلس لتنفس الصعداء قليلاً. توهم نفسك بأنك قد حققت الاحلام، و وضعت النقاط على الحروف و لكن.. يذكرني هذا الشعور بأحد لقاءات توم هانكس عندما يقول this too shall pass 

تحسب نفسك بأنك اعلى العالم، و الجميع تحتك، و انك حققت المستحيل، فاعلم ان هذا الشعور سوف يمضي و سوف ترى بأنك في الحقيقة اعلى قمة واحدة من مجموعة من القمم. و اعلم بانك عندما تشعر في ادنى مستوياتك، فهذا يعني بأن هذا الأمر سوف يمضي ايضا، و سوف تمر عبر الصعاب و تتسلق، و تصل القمة.. و لكن مجدداً هذا الشعور سوف يمضي مجدداً.

و هذه المتلازمة مهمة جداً لأن نمضي قدما في هذه الحياة.. مرة على القمة و مرة في القاع.


معايير الصداقة

 لا بد من صياغة معايير مختلفة ، تقدمية، و اكثر عمق من سطحية المعايير التي تعلمناها قبل سنين في المدرسة او من العائلة..

القيم العميقة للفرد، هي المعيار الحقيقي للصداقة. الحكم على شخص من حدث واحد او انفعال واحد ربما لا يكشف الكثير عن القيم التي يرتكز عليها هذا الفرد. و هذه الجملة قرأتها في مقال طويل عن الاشخاص الذي انتقدهم الكاتب\صاحب المقالة، او بالاحرى عن الحكم السريع الذي اتخذه عندما التقى بفرد معين او مجموعة من الافراد. 

و هذا الامر انعكس على طريقة اختيار صداقاتي. في الماضي، كنت اعتبر الفنانين او الممثلين الهواة و المحترفين بعيدين جدا عن الوسط الذي انتمي اليه، و هذه مغالطة كبرى. مجموعة الأصدقاء المتنوعين هو اشبه بقوة خارقة، تستطيع ان تميل الى شلة الاصدقاء هذه و البحث عن اجوبة استعصيت عليك.

و صاحب المقالة يذكر حكاية مجموعة من الاصدقاء كانو يجتمعون كل يوم خميس على مأدبة عشاء ليناقشون الكثير من الاراء و الافكار و مع مرور الاشهر و السنين، اختفى بعضهم سوى صديق واحد، ظل مواضباً على الذهاب كل يوم خميس و عندما ارادت صاحبة العزيمة السفر الى اليونان، لم تجد احداً لتدعوه، فدعت الصديق الاثير الذي ما توقف القدوم كل اسبوع. فقامت بدعوته الى اليونان، و نشأت بينهم علاقة حب على الرغم من معرفتهم ببعضهم البعض منذ خمسة عشر عاما او اكثر. و صاحب المقالة يقول ربما يأسوا من ايجاد شريك العمر فتنازلو و حبوا بعضهم بعض، و لكن يقول ايضا بأن الامر اعقد و اعمق من ذلك بكثير، فهم الى حد ما لم ينظروا الى صداقتهم من بعد ثان اعمق. اوقفتني هذه الحكاية، بل قرأتها للمرة الثانية. الكثير من العلامات و الاستدلالات المهمة في هذه المقالة التي سوف ارفقها في الاسفل. لأنها بالفعل جعلتني افتح بوابة الصداقة التي كنت اوصدها في كثير من الاحيان. 

ذلك جعلني اتعرف على فنانة - قصتها طويلة - انتهى بي الامر حضور عرض كوميدي يحكي قصتها بطريقة فكاهية و التعرف و لقاء اشخاص من فئات و طبقات مجتمعية. لا بل شاركت النقل مع اثنان من الحضور و كنا نحكي و نضحك و نلقي النكات. مجرد "مرحبا" تحولت الى حضور عرضها الكوميدي، التعرف على عالم مغاير، و الاكثر من هذا الاستمتاع بالعرض و التعاطف مع قصتها المروية بكوميديا ساخرة.

الناس قصص و حكايات، مغلفة و مخفية في اعماق اعماقهم.

لا ترتكز على القيل و القال، لا بل اختبر هؤلاء الناس، ارمِ لهم طعم قيمك و اعمدة حياتك، و انظر ماذا يحدث بعدها.. 



الثلاثاء، 16 ديسمبر 2025

عن التشتُت

 أذكر في أيام المرحلة الإبتدائية، كانت وسائل التشتت محدودة للغاية، في ذلك الوقت كان التلفاز مصدر التشتت الوحيد. كان آباؤنا يشيرون الى الوقت عندما نجلس طويلاً أمام التلفاز، يذكروننا بأنهم في زمانهم، كان التلفاز له وقت معين، و قبل منتصف الليل تغلق القنوات و يبقى التلفاز صندوق أسود بلا صوت و صورة. 

كٌنا لا نعي الوقت. كان اليوم طويلاً. 

إنه لأمر مدهش سُرعة تحول التقنيات، ليندثر تماماً مفهوم "التلفاز هو مصدر التشتت" ليكون الهاتف مصدر التشتت الجديد. هذا التحول العجيب جعلنا ندرك بأن التلفاز كان أداة بريئة، على عكس الهاتف الذي بات أشبه بأن يكون أداة شيطانية، تحث، و توهم، و تسرق منا الوقت، عٌملتنا التي نبادل بها يومياتنا.

يبادلنا الله الوقت بالفعاليات التي ننجزها، مثلما يبادلنا الأبوين النقود لشراء احتياجات او مصروف يوم كامل.

قرأت عن سائق الدراجة الذي يكسر سلسلة المشتريات التي يسعى الأغنياء لتمرريها بين الناس. راكب الدراجة، لا يشتري الوقود، و لا يبحث عن موقف سيارات، و لا يزور الصيانة، لا بل إنه لا يركب التكسي و لا المواصلات العامة، و بهذا يكون قد كسر السلسلة هذه عن المنتصف. المستثمرون ربما لا يحبون أصحاب الدراجات، فهم لا يعانون من السمنة المفرطة و لا يأكلون عن الماكدونالد و لا يزورون نوادي الرياضة و لا المستشفيات الخاصة و لا يعانون من امراض الضغط و السكري ليبتاعون أدوية - يملكها مستثمرون و اغنياء - ليوقفون أعطاب اجهزتهم الداخلية، القلب و الشرايين و البنكرياس.

سلسلة الهاتف، تشبه الى حد كبير سلسلة الدراجة الهوائية. الهاتف أداة يٌمرر من خلالها الاغنياء عبر شركاتهم، اعلانات ممولة، تحفزنا على شراء احتياجات ما احتجناها.

أمسك العصا عند المنتصف. لا تتعجل. تمهل. و اسأل نفسك دوماَ: هل يساوي ذلك وقتي؟ تذكر وقتك محدود كما هو مصروفك.

أمسك العصا عند المنتصف.


الأحد، 14 ديسمبر 2025

عن المكتبات التي أزورها بشكلِ دوري

أٌحِبٌ اقتناء كتب بدون معرفة سابقة، الوقوع في غرام كتاب، في رفِ مكتبة بعيدة. شيئ ما يجذبني للصدف، من دون ميعاد.

في لندن، هذه المكتبات التي أزور بشكلِ دوري:

دونت بووكس في مارليبون

أقسام موزعة على طابق ارضي و آخر علوي. يكتض بالزوار يومي السبت و الأحد، يأتي السياح هنا أيضاً لإلتقاط الصور. المكان يوحي بأنه مكتبة فكتورية، مطرزة بالخشب، مع اكتظاظ السياح، المكتبة مٌهمة لدى الناس المحليين أيضاً و انا واحد منهم. ألتقط كوب قهوة من مقهى مجاور، ثم اتمشى الى المكتبة. آخذ وقتي في التصفح، ينتهي بي المطاف في الطابق الأرضي عند أقسام الشرق الأوسط، سيما العناوين التي تخص العراق و بلاد الشام. في الطابق العلوي يوجد بعض العناوين الجميلة أيضا، و في عمق المكتبة يوجد قسم للفوتوغرافيا و الزرعات، و بحكم عملي، اقف هناك أتصفح عن كل ما هو جديد.


فويلز في چيرينك كروس، قرب محطة توتنهام

فويلز هي أكبر مكتبة في أوربا على ما أذكر. هُنا الاستراتيجية في التصفح تختلف. يجب أن أركز على قسم واحد او اثنين عندما ازورها بسبب حجم الكتب و عناوينها و ثقلها. فويلز مكتبة عجيبة جداً، و هي المٌفضلة لدي.

مكتبة وترستونز في بيكيديلي

تشبه فويلز الى حد ما. تختلف في طريقة ترتيب الكتب. اذهب الى هذا الفرع عندما ابحث عن تغيير ما. تقبل وترستونز بطاقة فويلز (وترستونز تملك فويلز). لا أحب الكافيه عندهم. بشكل عام أحب الهدوء في الطوابق العليا، و عناوينهم موزعة و مرتبة بشكل جميل و انيق.

مكتبة لندن ريفيو قرب المتحف البريطاني

أحب كتب التاريخ و الفلسفة، التاريخ العربي، و تاريخ الشرق الاوسط و آسيا. الثيمة هنا تختلف، كتب منتقاة بعناية، و بعض من المراجعات المكتوبة بخط اليد. أسعارهم اكثر بقليل من فويلز، آتي الى هذه المكتبة عندما أكون بجوار المتحف.

مكتبة لايبريا، شرق لندن، قرب بريك لاين

من أرتب و افضل المكتبات الصغيرة في شرق المدينة. عناوين متفرقة، مجلات و فن و كتابات ابداعية. لم اقوم بشراء اي شيئ من هذه المكتبة و لكن اقوم بزيارتها اثناء استراحات العمل او عندما امر بجانبها مع صديق.

في برايتون، كنتٌ أذهب وترستونز فقط. واسعة و جميلة و كنت أحب قربها من الشاطئ. ;كان هنالك مكتبات صغيرة أخرى لكن لم أجد عناويناً تهمني، و وترستونز بدت خياراً سليما و موثوقاً مهما، و تغييراً كنت أسعى له، في يوميات الدراسة المٌمِلة. في الحقيقة، عندما إنتقلت الى برايتون، بدأت بالبحث عن عمل، و أجريت مقابلة مع وترستونز في فرع هوف Hove ، كانت التجربة رائعة بصدق، لكنهم اعتذرو عن قبولي في وقت الكرسمس لأسباب خاصة.


الأحد، 7 ديسمبر 2025

مٌهمة القارئ

 من التعاليم الدينية فعل أمر "إقرأ". كثيراً ما أشغلني. "إقرأ باسم ربك الذي خلق" و "علم الإنسان ما لم يعلم" (سورة العلق). و تعاليم الفلاسفة، ارسطو، ماركوس اوريليس، كثيراً ما تتمحور حول التعاليم، و قراءة ما بين السطور و الجلوس وحيدا و العزلة للتفكر و التأمل. نزول الوحي على النبي محمد و خلوته في غار حراء، واحدة من اعظم التجارب النبوية و الانسانية ربما. الوحدة و الخلوة، ارتبطت بنزول الوحي، بل ساعدت على فهم عميق للنفس و التفكر و التأمل. 

القراءة، اذا مهمة. هي اشبه ببعثة استكشافية، تحقيق، استقصاء، و تشكيك.

مٌهمة القارئ اذا السعي لاقتناء الكتاب، بعيداً عن الضوضاء. بعيداً عن التشوش. بعيداً عن كل ما هو مشتت. كتب، و وقت و قراءة. بعيداً عن خوازميات تقتنص ذوقك، لترمي عليك كُل ما هو منشور عن الفئة التي اعجبتك. الخوارزمية تصنع التحزب، التفريق، تُمطِرُ عليك كتباَ، محتوى، مقالات، و فجأة تشعر بالتشبع. 

إقرأ بعيداً. اختار مكان منعزلاً. إختار لنفسك دار حراء، تعتزل فيها نصف ساعة او ساعة. اذهب الى المكتبات البعيدة، الهادئة، المنعزلة. تلك المكتبات التي يدخلها زبائن قلائل، اذهب الى المكتبة المختبأة في عمق الشوارع و اجلس. 

مُهمة القارئ هي العثور على مكتبات بعيدة، و قراءة كٌتب تٌنمي، و تٌشكك، و ترفع من قدرتك الذهنية.



الجمعة، 5 ديسمبر 2025

وجوه مألوفة

غريب امر المُدُن. تألف المدن بوجوه تعرفها. سَمِ لي مدينة، و صورة من اعرفهم تأتي امامي. كأن الذاكرة تستدعي الوجوه و الاماكن سوية. 






الخميس، 4 ديسمبر 2025

عن هاجس الذكريات: المزيد من التدوين عبر الصور

يعود هاجس الذكريات و التدوين مجدداً.

اسماء الشوارع، مبانٍ قديمة، بناية سينما، الحافلة، الأصدقاء.. كل شيئ و كل شخص.

حاولت تذكر كيف وصلتٌ برلين قبل عام و نصف.. و خذلتني الذاكرة، جلست ابحث في ألبوم صور هاتفي عن أي صورة تشي بمكان الوصول او القطار\الطائرة و لم اعثر على اي دليل.

أضفت اليوم عنصراً آخر الى ممتلكات التدوين: كاميرا دي-٨٠ من نوع نيكون. وجدتها على الانترنيت صدفة، و لم استطع ان اتجاهل الاعلان. كاميرا بمواصفات نظيفة، و يبدو بأن صاحبها كان قد اعتنى بها جيداً. لم لا!

المزيد من الصور، لتعلق في الذاكرة.. ليراها الجيل القادم. هنا نحن. أين سوف تكونوا؟



الاثنين، 1 ديسمبر 2025

صُور و أشعار قديمة

 جدلية الأثر. ماذا نترك في هذا العالم الموحش عند الوداع الأخير؟

كنتٌ اجلس مع صديق في حديثٍ ليليٍ طويل. أضواء خافتة، قمر نصف مكتمل، و اصوات سيارة الاسعاف تقترب ثم تبتعد مٌسرعةً. 

ماذا يبقى في اللقاء الأخير؟ سألت. 

لا أحد أجاب الصديق.

وحدك.

ثم وحدك. 

اعتدلت في جلستي، أحدث الصديق عن الأثر. فكرتُ طويلاً في هذا الموضوع، قلت له، الذي يبقى هو صور قديمة، و دفاتر أشعار و يوميات مهترئة. هذا ما يبقى. 

جلست احدث الصديق عن الفن، الكتابة، الأرث، بناء الاشياء، و التفاعل الذي احدثه وجودنا في هذا الكوكب. 

صديقي مٌحق. لا شيء يبقى، و لا شيء يُذكر، و رٌبما يٌمحى و يٌنسى. تمضي الأيام و السنون. لا تتوقف الحياة على الإطلاق.. 

لكن الذي يبقى: ألبوم صور، أشعارٌ قديمة، و نٌتف من ممتلكات الماضي، إن بقت. 




الأحد، 30 نوفمبر 2025

عن الملاكم الذي يقرأ الشِعر ليلاً لحبيبته

قرأت على السوشيال ميديا عن الملاكم الذي يقرأ الشعر ليلاً لحبيبته\زوجته، و هو نص أحببته لأنه يروج عكس ما غرز فينا المجتمع من تقاليد. المٌلاكم، يُنظر على انه قاسٍ، و القسوة لا ترتبط بشيئ رقيق كالشعر. و هذه المفارقة مغالطة كبرى. ماذا عن العامل البسيط الذي ينطلق صباحا يبحث عن بناء يكمله و ماذا عن المذيع الذي ارتبط اسمه بنشرة الاخبار الحزينة على شاشات التلفاز، و ماذا عن الطباخ الذي سئم الوقوف خلف الموقد، و ماذا عن المتسول الذي قادته الظروف لافتراش الشوارع. ماذا عن بائع القهوة الذي يسافر المدن في عطلته السنوية، يصبٌ القهوى للزبائن في صباحات المدن المكتظة ليهرب الى القرى و الحقول و الجداول، مرةً في السنة، يمشي و يهرول و يقود دراجته الى المدن الصغيرة البعيدة. يخيم على جانب الطريق، يصنع كوب قهوته على الخشب، و يرتجف من الهواء البارد في الحقول المنعزلة. ماذا عن سائق الباص الذي يغني لزوجته عند عودته المنزل، مدمن الكاسيتات و الاقراص المدمجة، ما ان يدخل المنزل حتى يجمع اولاده و زوجته و يبدأ بغناء الاغاني الشعبية و الاهازيج. هو يُريح عن نفسه من قيادة الحافلة صباح مساء، مثقلة بهموم ركابها و سكارى الليل و فتيان المدرسة في الصباح. الكل يتكلم. هو يصغي ربما لصوتٍ داخله: متى اعود الى المنزل لأغني! ماذا عن بائع ملابس الباله الذي تمنى ان يعمل في مكان مغلق. يقضي ايامه على قارعة الطريق. مكتبه كرسٍ صغير و هواء بارد و مطر و عواصف و سياح لا يكترثون للبضاعة، سوى ما اتى بهم الانستغرام و التيكتوك من موضة.

السبت، 29 نوفمبر 2025

إنتِصارات صغيرة

صنع كوب قهوة بِحٌب، طاولة طعام يجتمع حولها الأصدقاء، حديث عميق كان او تافِه، و مٌمارسة نشاط رياضي كان او عقلي. هي كُلُها إنتصارات صغيرة، بل رٌبما تكون ضئيلة في حجمها و لكن عميقة في تأثيرها.

في عصرِنا هذا، نُعظِم الإخفاقات و نٌعملِقها، تكبر و تكبر مثل بالونة ننفخٌ فيها ساعة تلو ساعة و يوم بعد يوم، بينما نٌقَزِم الإنتصارات حتى تصغُر و تصغٌر الى ما لا نهاية حتى لا نكاد نراها في الميكرسكوب. 

كتابة هذا النص هو إنتِصار في حد ذاته! و إدامة هذه المدونة هو إنتصار، و نشر كتابات على المدونات مع العالم إنتصار. الإصرار، العزيمة، القوة، التحليق بعد كركبة في حياة، و الرجوع الى الحياة اليومية بعد مرض. هي جميعها إنتصارات فردية، ربما صنعتها لوحدك، و ربما صنعتها مع شريكة حياتك، او صديق لك. الصداقة مِفتاح لأبواب كثيرة. أبواب بعضها مفتوح، آخرُ مغلق، و آخر يتطلب جهداً لفتحه. الأبواب فُرص. و الفرص قد تأتي بكل قوة، و قد تأتي بضُعف.

الإنتصارات الصغيرة ترفع المعنويات، و تعيد تنظيم الأولويات في حياتنا. مثل كوب قهوة مليئ بكافيين يحفز و يٌنشِط يومنا، هي كذلك الأحداث الصغيرة التي انتصرنا فيها: جري سريع، الاستيقاظ المٌبكر، قراءة عشر صفحات، الذهاب الى المكتبة، لقاء صديق، صٌنع صداقات جديدة، زرع إبتسامة، إلقاء نكتة، مساعدة صديق، تنظيم مائدة الطعام، تنظيف غٌرفة النوم، مشاركة كوب شاي مع صديق. 

هو تذكير لك يا صديق، لا تستهِن بالإنتصارات و إن كانت صغيرة، بل إجعلها كبيرة، شاركها مع الأصدقاء، و انبهر بِها، نٌم و استيقظ مع هذه الفكرة. 









الثلاثاء، 25 نوفمبر 2025

بعض من يوميات الاسبوع الاخير من شهر نوفيمبر: برد و رياح و مطر

 دجاج و فاصوليا و رز (تمن) ، مأدبة عشاء بطعم الوطن


 شارع الورود الكولمبي شرق لندن، سوق يوم الأحد


المحلات مزينة بالكرسمس، ازدحامات بغداد في لندن


برد و رياح و مطر

بداية جديدة 


الجمعة، 21 نوفمبر 2025

عن الصداقات العابرة و قصص الحب و الغرام و الحالات المشابهة للحٌب

 ذات مرة كنت مع صديقة مقربة، كنا نجلس على مأدبة طعام، نتبادل اطراف الحديث على الحب و العلاقات و الفلسفة و السفر. جذبتني جملة قالتها في منتصف الحديث: الحب و العلاقات ساحة حرب بين النساء و الرجال. انه الغرب المتوحش. و ذكرتني هذه الجملة ببودكاست ياسر الحزيمي عن العلاقات: العلاقات اذا تدخلها، لازم معاك سيف و غمد و درع، يوجد وخز يوجد اخافة.. و اكثر معاناة الناس من الناس. 

كلاهما مُحِق. صداقات عابرة و ناس تصارع ناس، في احيان كثيرة نكون شاهد على هذه الحالات و حالات أخرى نكون نحن جزءاَ من هذه الحالات. 

الهدوء، الانسحاب، و ربما الالتفات يكون مهماً في هكذا حالات. 

لا تخشى الانسحاب، لا تخشى الاختفاء. غير دفة السفينة بالاتجاه المعاكس لو تطلب الأمر.


الأحد، 16 نوفمبر 2025

بعض من اليوميات العشوائية من شهر تشرين الاول و تشرين الثاني، تصفها الصور

نعناع و ريحان: عشرة ايام ثم اعلنوا الاستسلام


جولات سريعة لاتمام بعض المهمات و اللقاءات باستخدام الدراجة


بلوزة جديد، و كرش عراقي 


أحاديث الفيس تايم، مع ابن الخال هشام جميل و احمد كريم


يوم الاحد في سوق الورود الكولومبي، شرق لندن 

خبز الموز، اصنعه من حين لآخر، ينقذني في الطرق الطويلة، او عندما اعود من العمل لأسد بها جوعي. 


السبت، 15 نوفمبر 2025

رِحلة بحرية الى جزيرة وايت ، العشرون من شهر آب ٢٠٢٥

قدمت رسالة بحث دراسة الماجستير ثم وجدت نفسي ابحث عن مفر من غرفتي الاثيرة.. الغرفة التي قضيت بها عام.. ١٢ شهرا في التمام و الكمال. 

أين أذهب؟ جلست أبحث عن اماكن متوسطة البعد عن برايتون.. و هوسي بالمنارات قادني الى جزيرة وايت. جزيرة تبعد بضعة كيلومترات عن مدينة بورتسموث. 

حجزت في دقائق قطار الصباح الى بورتسموت. أخذت حقيبة بها بضعة حاجيات بسيطة و لابتوب و شاحنة هاتف و انطلقت الى محطة قطار برايتون متجه من محطة قطار فالمر، هذه المحطة الصغيرة الكئيبة. كان القطار الى بورتسموث سلساً. جميع الركاب مستلقين، بعضهم نائم و البعض الآخر ينظر من النافذة الى هذه القناة الانكليزية التي كانت شاهداً على الكثير من الحروب و الايام و الانتصارات و الهزائم. 

وصلت بورتسموث. مدينة صغيرة، و تصميم شوارعها متناسق اكثر من برايتون. بدت لي منبسطة اكثر. برايتون معروفة ببعض المنحدرات و الارتفاعات على الرغم من قربها من البحر.

مدينة هادئة و صغيرة نسبياً لكنها كانت في يوم من الأيام شاهداً على الحربين العالميتين الاولى و الثانية. في الحرب العالمية الثانية كانت مركزا مهما و قاعدة عسكرية للجيش لقربها من الشواطئ الفرنسية. اتجهت الى المتحف الحربي، دبابات، ادوات استخدمها الجنود في الحرب، و السفن البحرية التي كانت مصممة لنقل عشر دبابات في آن واحد. صعدت السفينة لأراها من الداخل. حديد صلب و مساحة واسع تتسع الدبابات بشكل طولي، و ما ان تصل السفينة الى الشواطئ الفرنسية حتى تنطلق باتجاه اليابسة. 

و هكذا قضيت اليوم في بورتسموث، ما بين القلعة التي تقابل الشاطئ و المتحف الحربي و بعض الكافيهات و المكتبات. زيارتي هذه، اثبتت نظريتي بأن مدن الشاطئ الجنوبي لانكلترا متشابهة في الجو العام، مرفأ، مدينة العاب ترفيهية، و قلاع بعضها تحول الى متحف و حانات موزعة هنا و هناك. مدن هادئة. رتيبة. و مناسبة اكثر لعوائل تأقلموا و ابتعدو من مراكز المدن الكبيرة و الصاخبة.

في اليوم التالي انطلقت الى جزيرة وايت. 

جزيرة عجائبية. كبيرة نسبياً. بيوت بيضاء, حقول و جداول. مزارع و أحصنة. ابقار و اغنام تفترش الارض. أرانب برية. سناجب. طيور من كل حدبِ و صوب. و هدوء و عزلة لم أعشها منذ زمن. 

ما ان وصلت الجزيرة مشيت الى اقرب محطة باص. مشيت من المرفأ. اسمع اغاني عشوائية. و فعلا أتى الباص محملاً. ١٢ محطة الى مركز المدينة حيث انتظر باصاً آخر يقلني الى الحافة الغربية للجزيرة/ حيث تقع المنارة و المركز العسكري و بطارية المدفع. يسمونها نيدليس. او ذا نيدليس.

كنتُ مرهقاً من ليالِ كنت أسهرها، و بحث كان يتضخم و يتكاثر يوماً بعد يوم. كان يردد مشرفي "الدقة في تحديد ما تريد ان تقص و ما تريد ان تحذف، و الاهم الدقة في ذكر ما يجب ذكره". تجربة البحث قاسية، تجبرك على الكتابة و على تقليص الكتابة في آنِ واحد، و الاهم النتائج و الاستنتاجات التي تبدأ في اكل افكارك. 

طريق الباص ساعدني على ترك جميع التراكمات التي جمعتها طيلة فترة البحث. ما ان وصلت غرب الجزيرة حتى بدأت بالمشي، اسفل التلة باتجاه عربات التلفرك او الكيبل كار. تذكرة نزول فقط قلت لبائع التذاكر. ابتسم ثم اشار الى جهاز قارئ بطاقة البنك. ما ان وصلت الى مكان الصعود حتى اشار عامل العربات بوضع الحقائب الى الامام (مثل الصورة في الاسفل). فعلت ذلك، ثم اقتربت من الكرسي المخصص، اقترب العامل بسرعة ليقفل الكرسي. رحلة ممتعة ثم اشار الى الاشخاص الآخرين بالاقتراب. 

كل شيئ في هذه الجزيرة يشي بالذكريات. في الطريق الى الاسفل (عند حافة الشاطئ) تخيلت كيف كان هذا الجزء من الجزيرة ايام الحرب. طائرات و مدافع و سماء ممتلئة بمظليين و طائرات، و بحر ممتلئ بسفن تستعد للانطلاق الى الشواطئ الفرنسية. 

و المنارة الجميلة، مصبوغة بشريط احمر و ابيض. اخذت قارب صغير في رحلة قرب المنارة هذه. كنت أتمنى ان اقضي ليلة واحدة داخل هذه المنارة، او على الاقل الدخول اليها لساعة واحدة. قال قائد القارب، كان هنالك صيانة قبل سنين على سقف المنارة و تم اعادة هيكلتها و ادارتها بنظام كومبيوتر. آخر شخص كان مسؤول عن ادارة المنارة حتى ٢٠١٠ او ٢٠١٣. نسيت اي سنة بالضبط. 

كنت سعيد بقضاء يوم كامل في الجزيرة. عدت في الباص الى مركز الحافلات، و من هناك اخذت باصاً آخر الى مرفأ السفن. في الدقائق الاخيرة وصلت الى السفينة، و من هناك عدت الى بورتسموث، ثم اخذت القطار عائداً الى برايتون، المدينة التي احتوتني لعام كامل .. 









السبت، 8 نوفمبر 2025

تتوالى الأيام مٌسرعة في هذا الركب، أتوقف تحت هذه المِظلة (مدونتي) لتفريغ ذاكرة الأيام

 في داخلي كماً هائلاً من طاقة ناتجة عن الاحداث و التفاصيل التي أرتطمت و تفاعلت بشكل دوري و على مدى طويل. كما يقول ماركوس اوريليس في كتابه التأملات: فن الحياة هو صراع اكثر مما هو رقص.

و الصراعات بكل تجلياتها تخلق فكرة. صراع مع البيئة يولد هجرة و صراع مع العمل يولد تأسيس شركة، و صراع مع السياسة يخلق ثورة، فكرية كانت او انسانية. عندما تغيب الصراعات الخارجية، يلتفت المرء الى نفسه فتجده يٌصارع نفسه، من الداخل. يأكل ذاته، يبحث عن وهم يٌعظمه، ثم يمحضهُ و هكذا حتى وجد صراعاً آخر يلتفت إليه.

أذكر في مقدمتي هذه فكرة الصراعات هذه لأنها تٌقلم أفكار الباحث في هذا الركب السريع من الحياة. لا بل أن الصراع في أحيانٍ كثيرة مطلوب لوقف نزف الوقت الُمتكرر. صراع مع خوارزميات تطلقُ علينا وابلاً من المحتوى الذي يٌحرك إدماننا. ما نحنُ سوى أفكار خوارزمية بثت فينا فكرة أو أفكار. في السابق، كنا نقول ان مستوى المرء يحدده بيئته او الافراد الخمسة الذين يتحدث اليهم. أما الآن فمستوى الفرد يحدده مدى تفاعل المرء مع خوارزمية تلهث خلفه تحاول ايقافه لمشاهدة محتوى معين سياسي كان او فكري. 

في السابق كٌنا نهرب الى اليوتيوب، للتحكم في ما نراه و ما نبحث عنه. أما الآن فحتى يوتيوب بدأ يٌحرك أذرعه ليجذب و يبقي على مستخدميه ساعة إضافية أكثر. 

لا تتنازل. لا تضعف. لا تتساهل. إسأل عن صحة ما تُشاهِد. إحترس. دافع عن وقتك. دافع عن حماية فكرك. أرِح نفسك من ركب المحتوى الهابط. أدخل في صراع لحماية وقتك. أضبط نفسك من الإدمان. إبحث عن الحقيقة. إسمح لنفسك بالشرود في فكرة. لا تُزاحم أفكارك بوابلٍ من المحتوى السريع. إجلس في الظلام. إستمع الى صوت المطر، إجلس في هدوء. إستلقِ على الأريكة و لا تفعل شيئاً و لكن أرجوك لا تٌزاحم أفكارك بوابلِ من المحتوى السريع. إحفظ نفسك من الهرم. إحفظ نفسك من الخرف، الإدمان، النسيان، و الكسل.





الأحد، 26 أكتوبر 2025

ساندويشات الصباح

 صباحاً انطلقت أركض أبعد عن نفسي كسل الصباح. أنطلقت بإتجاه برِك لاين، و هو شارع يٌباع فيه ملابس كلاسيك مستعملة أغلبها، مكوية و مغسولة و معلقة على أذرع حديدية، نٌسميها في العراق البالة. و هناك، يفتح الباعة بسطاتهم، تلك التي تشبه بسطات باب الطوب، او سوق النبي في الموصل، و هٌناك أيضا محلات لفات الفلافل و سندويشات اللحم و البايغل الامريكية و محلات بيع الاسطوانات القديمة منها و الحديثة. و يغلب على الشارع فن و ثقافة الهبستر و هو إنطباع أراه جميلاً يعطي للشارع و المدينة هوية بصرية مختلفة عن ما نراه عادة.

ما لفت إنتباهي في هذا الركض هو محلات السندويشات، لطالما تسائلت متى تفتح هذه المحلات و متى تغلق، كلما مررت هناك ألاحظ انتهاء بضاعتهم، او عدم وجود احد في الداخل. اليوم عرفت السبب. جميع زبائن هذه المحلات هم أبناء الصباح، الباعة و الكادحون في هذا البلد.


الاثنين، 4 أغسطس 2025

مع كل تغيير ألم يُصاحِبهُ: التغيير هو الثابت الوحيد، مدونات الرابع من شهر آب.

 بدايات التغيير يصاحبها ألم في المعدة، و ربما ارتفاع في دقات القلب، و انخفاض بحدة الصوت و ارتفاع درجة الحرارة. سيما و ان كان التغيير مفاجئاَ، مثلا وصلت دولة لأول مرة و تحس بالضياع و الخوف، او عندما تلتقي بفتاة تظنُ أنها جميلة بعيونك. ترتفع دقات قلبك، تقيس حرارتك فتجدها مضطربة.

التغيير هو الثابت الوحيد، في العمل، في الدراسة، في الحياة، في السلم و في السفر. و التغيير قد يكون مؤلم فينقطع عنه فريق من الناس. 

اليوم هو الرابع من شهر آب من العام ٢٠٢٥. ربما قبل اعوام كنت اعتبره يوم مميز لكن مع مرور السنين، بدى هذا التأثير يتلاشى و يختفي شيئاً فشيئاَ




الاثنين، 23 يونيو 2025

غرباء المُدُن

لقاءات عابرة مع غرباء. لا احكم عليهم. و لكن استمع لهم كمن يستمع الاستاذ لطالبه استمع و اصغي بكل هدوء.. 

نوادي الليل:

ما ان تتجه عقارب الساعة عند منتصف الليل حتى يظهر غرباء المدن في نوادي الليل . تحكي لي غريبة المدينة التي اتحفظ عن ذكر اسمها او بلدها. تعتدل في جلستها، هي تجلس في الزاوية المقابلة لي. تمسح بمنديل مكياج سهرتها الاخيرة. تمتعض، تمط بشفتيها، تمسح قلم الحمرة، ثم تٌكمل: لكل نادي جلسة مختلفة و زبائن مختلفين، و حتى الملابس. بعض النوادي الليلية لا يسمحون ب "الشورتات" على سبيل المثال. البرستيج مهم ايضا. تعتدل في جلستها غريبة المدينة هذه، ترد صاحبتها الاثيرة بلغة فرنسية: ايه ليس كل النوادي لنفس الفئة. 

استمع، و انا اقوم بترتيب بعض من حاجيات ملابسي، اسأل سؤالاً تلو الآخر: و ماذا عن النادي، متى تذهبنَ ومتى تُكملنَ؟ 

ترد غريبة المدينة، بعدما أكملت مسح قلم الحمرة: ايه، نذهب عند الساعة الحادية عشر في الليل، او ربما عند منتصف الليل. كٌلما تأخر الوقت كلما زادت المتعة. تهز كتفيها، في التفاتة الى النشوة و السعادة. أكملت: و متى تعودنَ؟. تعتدل في جلستها الغريبة: عند الصباح! ما ان تنزل الشمس مُرحِبةً بالمدينة حتى نكون قد انتهينا. انت لماذا تسأل يا غريب؟ أُجيب: معلومات عامة لا أكثر.


تنزل صديقتها، تُمثل دور الشباب تحبس نفساً، تنفخ صدرها تٌقلد شاباً مراهقاً في النادي الليلي: الشباب همهم الوحيد هو جذب النساء اليهم، اراد ثُلة من الشباب ان يرقصوا معنا لكننا رفضناهم، نحن فقط نريد ان نهزّ أكتافنا. لدي حبيب و صديقتي المجنونة هذه أيضاً. 

تعود الى سريرها، تكمل غريبة المدينة: كان هنالك "عركة" البارحة. "حقاً ؟ " اجبت. نعم، اكملت. ثلة من المراهقين الاطفال كانوا يرشون الخمر على اجساد النساء و فساتينهن. انظر هذا فستان سهرتي من البارحة. لقد افسدوه الاطفال المراهقين. 

هل كنت مستيقظا عندما عُدنا؟ كلا قلت لها. استطيع ان انام في اي مكان و زمان. لقد عودت نفسي على النوم. لم احس على قدومكم. اه جيد جداً. لقد كنا متعبين. نمنا في ملابس السهرة كما ترى يا غريب. هل نناديك غريباً أم صديقاً ؟ لا يهم. الغريب الصديق ربما؟ 

- هيه يا ايها الصديق الغريب، هل ذهبت الى العمرة من قبل؟ 

- كلا

- لم لا

- لم امتلك الفرصة

- و اين ذهبت من قبل، اين تعيش

جلست اسرد بعضاً من مغامراتي. 

- و هل تعمل؟

- بين حينٍ و آخر 

- و انتنّ

-نحن ندرس

- حسناً.

توبة الصباح:

يمحي الصباح خطايا المساء، اريد ان اذهب المساجد أُعمِرها عند الظهيرة. انتفضت من جلستها الغريبة الصديقة. أين سألتها؟ في برشلونة اجابت على مهمل. ثم سألت هل كنت في اسطنبول ؟ نعم لقد زرتها من قبل، و انتنّ؟ نعم، مساجد جميلة. لماذا لا تأتي معنا الليلة؟ نتخذك صديقاً غريباً الليلة، تهزُ اكتافك، هنالك مشاريب غير كحولية، نحن لا نشرب الكحول. نحن فقط نهز الأكتاف يا ايها الصديق الغريب، تأتي و تنسى هموم الحياة، و لكن لسنا مسؤولين عن انخراطك في اي مشكلة يا صديقنا الغريب، نحن نستطيع ان نقف في مكان بعيد قريب.

و لكن قد عفى عني الزمان و مضى، قلت لهنّ. انتنّ شابات، تستطعنّ ان تسهرنّ حتى الصباح ثم تعاودون الكرة مرة و مرتين واثنين و ثلاث. انا رجل ثلاثيني، قدماي تؤلمني عند المساء، أضع بعضا من دهن الڤولتارين قبل ان انام ليخف الألم و انام بهدوء كقديس فقد أحبابه. أنا ما عدتُ شاباً يا غريبات. طاقتي محدودة و يجب علي ان اقيس المسافات، و ابحث عن مقاعد اجلس عليها اثناء الطريق. قبل التاسعة، احضر نفسي للنوم، أسمع اوبرا و اصنع لي شاياً أخضر مع قليل من السُكر. 

هل انت متأكد؟ تعال معنا ايها الغريب؟ و ماذا اصنع؟ تهزُ اكتافك! اريد ان اذهب حفلة تنكرية قلت لهنّ ، اسمع الى انغام رقص الفلامنكو، لا اريد ان انخرط في عمل مراهقين اضاعوا الصحبة و الطريق. و لكن سعيد بسعادتكنّ يا فتيات. ان كنتنّ سعيدات في سهراتكنّ فما يهمني شيء. يهمني ان نترك هذا العالم بقليل من السعادة و التفاؤل و السلام. و ان كان هز الاكتاف يساعد على ذلك. فليكن!

اتفقنَ ثم انهين الجملة: ان كان هز الاكتاف يساعدة على السلام، فليكن! 

..

..

هيه، ايها الغريب الصديق، هل لك ان تخرج للحظة نريد ان نستحم، نكمل ما سمعناه من هوسة الاغاني، و نحضر انفسنا للاسترخاء على البحر.. ثم ربما نسهر الليلة مجدداً. بكل تأكيد ايتها الصديقات الغريبات. سوف انزل اتمشى قليلاً ثم اخرج في مغامرتي الصغيرة. 

..

الى اللقاء! 










 

برشلونة: انطباع اول

 هذا ما سجلته في دفتر مذكراتي الصغير أدون انطباعي عن هذه المدينة الواقعة في اقصى شرق البلاد:

أجساد معضّلة، تاباس في كل ركن، حرارة تفوق الثلاثين، نساء تسّمرّن على شاطئ البحر، رائحة خمر تفوح عند غياب الشمس،  أمريكيون في كل زاوية شارع، و مهفات كنا نراها في التلفاز فقطوشوم على الذراع ، عضلات و فانيلات عراقية تبرز الصدر المعضل، خط لحية عريض، يبدو الرجال لوهلة بأنهم تكحلو! لا أعلم لماذا ولكن هذا ما يبدو للوهلة الاولى. 


الانطباع الاول هذا سرعان ما تغير في اليوم الثاني. بكل تأكيد بعض من الشباب يتبع هذه الموضة او الحالة التي يمر بها المجتمع الاسباني و لكن هل جميع الشباب ينجرفون\ يتبعون هذا الاتجاه؟ بكل تأكيد لا! 


على الرغم من تركيز النساء على الارداف، و اظهار\الفخر ببعض من اجزاء اجسادهنَ الا ان هذه الحالة تمثل نسبة من المجتمع. لو انتقلنا الى اماكن اكثر هدوءاً بعيدة عن انجرافات السياحة و العرض.. لوجدنا بأن النساء هناك يظهرنَ بمظهر مختلف. اتجاه عملي اكثر. 


و الاسبان يُعبرون عن حبهم و عواطفهم علناً ، ربما اكثر من اي مكان اخر في اوربا. ربما هي حالات نادرة او هي حالات تطفو على السطح اكثر من اي مكان اخر في الاماكن السياحية خاصةً.




برشلونة. مدينة شرقية غربية. كأنها مدينة تونسية. بل اكثر وجدتُ عمارتها تشبه ما نشاهده في الافلام المصرية. العمارات ذات الطابع التقليدي. غسيل على البلكونات، عمارات مصبوغة بالوان مختلفة. بعض من شوارع المدينة يذكرني بشوارع بغداد. كأن المدينة مستوحاة من بغداد و القاهرة و تونس العاصمة و الجزائر. جمعوا هذه العواصم في مدينة واحدة و اضافوا عليها الطابع الاسباني. و الغريب اكثر، ان المدينة مصممة بشكل مُربِك. مربعات و مستطيلات تمتد على طول المدينة. مما يجعل المدينة سهلة التنقل لكنها في نفس الوقت تُربك الزائرون الجُدد. لا سيما انني اتيت من مدن انكليزية غير مرتبة. او مصممة بشكل غير انتقائي. نادرا ما نجد مربعات. ومستطيلات تمتد لكيلومترات. 




و المدينة على رغم اتساعها و مستطيلاتها المليئة بالاشجار، مُتخمة بالاصوات المُزعجة. عجزت عن العثور عن السبب. في اليوم الثاني ذهبت الى اطراف المدينة حيث الحياة البطيئة و السكان هناك في الاطرف اكثر هدوءاً.




رسالة الى النبي (١)

عزيزي النبي، هل يحقُ لي أن أقول لك عزيزي؟ هل أستطيع أن أرسل هذه الرسالة إليك، أٌعنونها لك بأسمك، و تكون أنت وحدك من يقرأها؟ أريد أن أكتب هذه...