السبت، 15 نوفمبر 2025

رِحلة بحرية الى جزيرة وايت ، العشرون من شهر آب ٢٠٢٥

قدمت رسالة بحث دراسة الماجستير ثم وجدت نفسي ابحث عن مفر من غرفتي الاثيرة.. الغرفة التي قضيت بها عام.. ١٢ شهرا في التمام و الكمال. 

أين أذهب؟ جلست أبحث عن اماكن متوسطة البعد عن برايتون.. و هوسي بالمنارات قادني الى جزيرة وايت. جزيرة تبعد بضعة كيلومترات عن مدينة بورتسموث. 

حجزت في دقائق قطار الصباح الى بورتسموت. أخذت حقيبة بها بضعة حاجيات بسيطة و لابتوب و شاحنة هاتف و انطلقت الى محطة قطار برايتون متجه من محطة قطار فالمر، هذه المحطة الصغيرة الكئيبة. كان القطار الى بورتسموث سلساً. جميع الركاب مستلقين، بعضهم نائم و البعض الآخر ينظر من النافذة الى هذه القناة الانكليزية التي كانت شاهداً على الكثير من الحروب و الايام و الانتصارات و الهزائم. 

وصلت بورتسموث. مدينة صغيرة، و تصميم شوارعها متناسق اكثر من برايتون. بدت لي منبسطة اكثر. برايتون معروفة ببعض المنحدرات و الارتفاعات على الرغم من قربها من البحر.

مدينة هادئة و صغيرة نسبياً لكنها كانت في يوم من الأيام شاهداً على الحربين العالميتين الاولى و الثانية. في الحرب العالمية الثانية كانت مركزا مهما و قاعدة عسكرية للجيش لقربها من الشواطئ الفرنسية. اتجهت الى المتحف الحربي، دبابات، ادوات استخدمها الجنود في الحرب، و السفن البحرية التي كانت مصممة لنقل عشر دبابات في آن واحد. صعدت السفينة لأراها من الداخل. حديد صلب و مساحة واسع تتسع الدبابات بشكل طولي، و ما ان تصل السفينة الى الشواطئ الفرنسية حتى تنطلق باتجاه اليابسة. 

و هكذا قضيت اليوم في بورتسموث، ما بين القلعة التي تقابل الشاطئ و المتحف الحربي و بعض الكافيهات و المكتبات. زيارتي هذه، اثبتت نظريتي بأن مدن الشاطئ الجنوبي لانكلترا متشابهة في الجو العام، مرفأ، مدينة العاب ترفيهية، و قلاع بعضها تحول الى متحف و حانات موزعة هنا و هناك. مدن هادئة. رتيبة. و مناسبة اكثر لعوائل تأقلموا و ابتعدو من مراكز المدن الكبيرة و الصاخبة.

في اليوم التالي انطلقت الى جزيرة وايت. 

جزيرة عجائبية. كبيرة نسبياً. بيوت بيضاء, حقول و جداول. مزارع و أحصنة. ابقار و اغنام تفترش الارض. أرانب برية. سناجب. طيور من كل حدبِ و صوب. و هدوء و عزلة لم أعشها منذ زمن. 

ما ان وصلت الجزيرة مشيت الى اقرب محطة باص. مشيت من المرفأ. اسمع اغاني عشوائية. و فعلا أتى الباص محملاً. ١٢ محطة الى مركز المدينة حيث انتظر باصاً آخر يقلني الى الحافة الغربية للجزيرة/ حيث تقع المنارة و المركز العسكري و بطارية المدفع. يسمونها نيدليس. او ذا نيدليس.

كنتُ مرهقاً من ليالِ كنت أسهرها، و بحث كان يتضخم و يتكاثر يوماً بعد يوم. كان يردد مشرفي "الدقة في تحديد ما تريد ان تقص و ما تريد ان تحذف، و الاهم الدقة في ذكر ما يجب ذكره". تجربة البحث قاسية، تجبرك على الكتابة و على تقليص الكتابة في آنِ واحد، و الاهم النتائج و الاستنتاجات التي تبدأ في اكل افكارك. 

طريق الباص ساعدني على ترك جميع التراكمات التي جمعتها طيلة فترة البحث. ما ان وصلت غرب الجزيرة حتى بدأت بالمشي، اسفل التلة باتجاه عربات التلفرك او الكيبل كار. تذكرة نزول فقط قلت لبائع التذاكر. ابتسم ثم اشار الى جهاز قارئ بطاقة البنك. ما ان وصلت الى مكان الصعود حتى اشار عامل العربات بوضع الحقائب الى الامام (مثل الصورة في الاسفل). فعلت ذلك، ثم اقتربت من الكرسي المخصص، اقترب العامل بسرعة ليقفل الكرسي. رحلة ممتعة ثم اشار الى الاشخاص الآخرين بالاقتراب. 

كل شيئ في هذه الجزيرة يشي بالذكريات. في الطريق الى الاسفل (عند حافة الشاطئ) تخيلت كيف كان هذا الجزء من الجزيرة ايام الحرب. طائرات و مدافع و سماء ممتلئة بمظليين و طائرات، و بحر ممتلئ بسفن تستعد للانطلاق الى الشواطئ الفرنسية. 

و المنارة الجميلة، مصبوغة بشريط احمر و ابيض. اخذت قارب صغير في رحلة قرب المنارة هذه. كنت أتمنى ان اقضي ليلة واحدة داخل هذه المنارة، او على الاقل الدخول اليها لساعة واحدة. قال قائد القارب، كان هنالك صيانة قبل سنين على سقف المنارة و تم اعادة هيكلتها و ادارتها بنظام كومبيوتر. آخر شخص كان مسؤول عن ادارة المنارة حتى ٢٠١٠ او ٢٠١٣. نسيت اي سنة بالضبط. 

كنت سعيد بقضاء يوم كامل في الجزيرة. عدت في الباص الى مركز الحافلات، و من هناك اخذت باصاً آخر الى مرفأ السفن. في الدقائق الاخيرة وصلت الى السفينة، و من هناك عدت الى بورتسموث، ثم اخذت القطار عائداً الى برايتون، المدينة التي احتوتني لعام كامل .. 









ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يا ليلة العيد آنستينا

صباح اليوم الأول من العيد. و العيد هو رائحة البخور، قهوة الصباح، فطور مع العائلة، زيارات الأقارب، العطلة و النوم الكثير..  أشياء لم تعد موجو...