الثلاثاء، 16 ديسمبر 2025

عن التشتُت

 أذكر في أيام المرحلة الإبتدائية، كانت وسائل التشتت محدودة للغاية، في ذلك الوقت كان التلفاز مصدر التشتت الوحيد. كان آباؤنا يشيرون الى الوقت عندما نجلس طويلاً أمام التلفاز، يذكروننا بأنهم في زمانهم، كان التلفاز له وقت معين، و قبل منتصف الليل تغلق القنوات و يبقى التلفاز صندوق أسود بلا صوت و صورة. 

كٌنا لا نعي الوقت. كان اليوم طويلاً. 

إنه لأمر مدهش سُرعة تحول التقنيات، ليندثر تماماً مفهوم "التلفاز هو مصدر التشتت" ليكون الهاتف مصدر التشتت الجديد. هذا التحول العجيب جعلنا ندرك بأن التلفاز كان أداة بريئة، على عكس الهاتف الذي بات أشبه بأن يكون أداة شيطانية، تحث، و توهم، و تسرق منا الوقت، عٌملتنا التي نبادل بها يومياتنا.

يبادلنا الله الوقت بالفعاليات التي ننجزها، مثلما يبادلنا الأبوين النقود لشراء احتياجات او مصروف يوم كامل.

قرأت عن سائق الدراجة الذي يكسر سلسلة المشتريات التي يسعى الأغنياء لتمرريها بين الناس. راكب الدراجة، لا يشتري الوقود، و لا يبحث عن موقف سيارات، و لا يزور الصيانة، لا بل إنه لا يركب التكسي و لا المواصلات العامة، و بهذا يكون قد كسر السلسلة هذه عن المنتصف. المستثمرون ربما لا يحبون أصحاب الدراجات، فهم لا يعانون من السمنة المفرطة و لا يأكلون عن الماكدونالد و لا يزورون نوادي الرياضة و لا المستشفيات الخاصة و لا يعانون من امراض الضغط و السكري ليبتاعون أدوية - يملكها مستثمرون و اغنياء - ليوقفون أعطاب اجهزتهم الداخلية، القلب و الشرايين و البنكرياس.

سلسلة الهاتف، تشبه الى حد كبير سلسلة الدراجة الهوائية. الهاتف أداة يٌمرر من خلالها الاغنياء عبر شركاتهم، اعلانات ممولة، تحفزنا على شراء احتياجات ما احتجناها.

أمسك العصا عند المنتصف. لا تتعجل. تمهل. و اسأل نفسك دوماَ: هل يساوي ذلك وقتي؟ تذكر وقتك محدود كما هو مصروفك.

أمسك العصا عند المنتصف.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

رسالة الى النبي (١)

عزيزي النبي، هل يحقُ لي أن أقول لك عزيزي؟ هل أستطيع أن أرسل هذه الرسالة إليك، أٌعنونها لك بأسمك، و تكون أنت وحدك من يقرأها؟ أريد أن أكتب هذه...